المبدأ الثوري بين الإزدواجية والبراغماتية – رجوى الملوحي

رجوى الملوحي: مانشيت24

ست سنوات من عمر الثورة السورية كانت كفيلة ببث شيء من الوعي الجمعي لشعب بأكمله عن معنى المبادئ واحترامها، عن جمال التضحية فداء للقضية، عن وقار الدم المسكوب على جنبات رصيف الحرية.

ست سنوات تعلمنا من خلالها أن المبادئ لا تتجزأ، الإنسانية لا تتجزأ، الحق لا يتجزأ والثورة لا تتجزأ، كجزء من ثورة الثقافة، ثورة الاشتباك الحقيقي، ثورة الوسائل المتعددة، هتاف.. بندقية… قلم.. كاميرا، والأهم من ذلك كله أن تلك السنوات كانت مدرسة حقيقية لنتعلم فيها كيف تسقط الأقنعة وتبنى الأكاذيب، وتؤدى المهازل.

إلا أن سنوات الثورة السورية بما حملت من هم ودم وقتل وتشريد.. لم تكن كافية لبعض مدعي حمل مشعل القضية في أن يطيب لهم لملمة بضعة مبادئ مبعثرة في سلة واحدة، فكانت الإزدواجية سيدة الموقف، والسؤال الأكثر إلحاحاً كيف تكون ثائراً هنا وخائناً للثورة والدماء هناك؟! ولنكون أكثر وضوحاً وتحديداً، فإن فلسطين كانت مرتكز هذه المعضلة، والقضية الحبلى بأمثلة الإزدواجية الشعبية والبرغماتية القيادية على اعتبار أنها جسدت لسنوات طويلة جدا، قبلة قضايانا العربية والإسلامية لذلك كانت العيون موجهة نحوها في كل نائبة عربية جديدة، حتى اعتُبرت الثورات العربية أول طريق تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني.

قرن من الزمن مضى على توقيع “وعد بلفور” المجحف ليس في حق الفلسطينيين فقط، بل في حق العرب والمسلمين جميعاً من ناحية، والقيم الأخلاقية والإنسانية من ناحية أخرى، وكان ذلك أول قطرة في إناء تغيير خارطة الوجه العربي السياسية.

سنوات بعدها تلت، وقطرات سقطت، فامتلأ الكيل العربي وفاض ظلماً وقهراً، وآن للخارطة أن تشهد تبدلاً آخراً، إلا أن بعض أصحاب القضية الأولى لم يدركوا أن ما يحدث هو مكمل لدرب بدأوه ولم ينته لكثرة المتاجرين بقضيتهم، بل اختاروا الإنزواء على هامش الموقف.

وبين البراغماتية السياسية والفهم المنقوص لأخلاق المبادئ، ترنحت قيم كالحق والعدل ورد الظلم عن أهله عند البعض، فيما سمت فوقها أنانية القضية الواحدة المتفردة عن قضايا المنطقة، وهي في الواقع ليست إلا مكملاً لها.

ولعل أبرز الأسباب التي أدت إلى حدوث شرخ في بعض الأحيان، بين الثورة السورية- تحديداً والقضية الفلسطينية، في أن من تاجروا بالقضية الفلسطينية ومقاومة المحتل وتحرير الأرض، لعبوا على الشعارات القومية والتحريرية لتعميق سطوة قبضتهم الأمنية وديكتاتوريتهم الدموية، وهم ذاتهم من وقفوا على خندق الحدود الفلسطينية موجهين نار بنادقهم نحو السوريين، متذرعين بأن طريق القدس يمر فوق الأشلاء السورية، فيما صمتت فئة من الفلسطينيين عن هذا راضية أن تتم المتجارة باسم قضيتها، أملا في عدم خسارة حليف من ورق ولو على حساب سمو المبدأ، وبالتالي عدم تفويت الفرصة على المجرمين في الإسفاف بتمسحهم بفلسطين وقضيتها.

أقف طويلاً في كل حادثة أو فعل أو تصريح، اتأمل القضايا العربية المبتورة، ووحدة الصف تجاه العدو المنقوصة، واتساءل عن جدوى لبس الأقنعة السياسية والتبدل مع المتغيرات الدولية التي لا تأتي مع مصالح الشعوب وتطلعاتها في الاستقلال والحرية! هل يضيف هذا الحبو جانب الجدار شيئا للنضال، أم يعمق الفجوة بين المبادئ الثورية والتصرفات السياسية!


رابط المقال:

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مقارنة بين الجدلية المثالية والجدلية المادية عند كل من جورج هيجل وكارل ماركس

مقارنة الحالة الطبيعية بين وصف جان لوك ووصف جان جاك روسو

مقارنة بين السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا تجاه الازمة السورية ..