التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تركيا و روسيا، ضفتا تناقض في سوريا، تلتقيان في بحر المصالح الاقتصادية – رجوى الملوحي










في المسائل الحسابية، إن حاصل جمع واحد مع واحد يساوي اثنين، وفي قانون الجاذبية لا يمكن أن تطير تفاحة في الهواء بعد سقوطها من أعلى شجرة، والخطان المتوازيان لا يمكن أن يلتقيا، إلا أن السياسة، والمصالح، مطامح الحرب أو السلم، العلاقات بين الدول، استطاعت أن تكسر جميع هذه القوالب، وعلى امتداد بحرين من التناقض، استطاعت كل من أنقرة وموسكو أن تجسد مثالا للتقية السياسية ربما، أو القوالب  اللا منطقية في علم المنطق، والمنطقية جدا في معترك الساحة الدولية.

بعيدا عن تجاذبات التحليلات، والتمحيص فيما وراء أبواب قمة سانت بطرسبرغ التي شغلت العالم ,كونها المفتاح لإعادة المياه بين تركيا وروسيا  لمجاريها بعد إسقاط الجيش التركي للطائرة الروسية، علينا الإدراك بأن ما يجمع البلدين أكثر مما يفرقهما، إلا أن ما يفرقهما ( كالملف السوري) لا يمكن أن يمر مرور الكرام خاصة وأنهما يمثلان قطبي الصراع في سورية، وهو ما جعل البلدين على ضفتين مختلفتين، وجعل ظهور رئيسي الدولتين إلى جانب بعضهما البعض محط جذب للأنظار.

إن عدو صديقي ليس بالضرورة أن يكون عدوي، كما أن عدو عدوي ليس بالضرورة أن يكون صديقي، إلى هذا تستند العلاقات السياسية بين الدول في أبسط تمثيل لها، لذا فإن تصالح موسكو وأنقرة ما هو إلا لرعاية المصالح الاقتصادية بين البلدين حتى وإن لم تتفقا على مشروع موحد تجاه الأزمة في سورية. وعلى الرغم من أن المبادئ في عالم السياسة أمر معدوم نسبياً، إلا أن كلا من الموقفين: الروسي والتركي من سورية تخطى مرحلة المبادئ في دعمهما طرفا على حساب طرف، أو خيرا على حساب شر،  تعداها إلى مرحلة صراع مكانة ونفوذ إقليمي ودولي، مما يجعل التنازل من قبل أي منهما بمثابة رصاصة الرحمة على موقع كل دولة ومحاولاتها الحثيثة في أن تكون داخل دائرة القوة والتأثير، خاصة وأن كلا من أنقرة وموسكو بذلتا جهداً كبيراً وما زالتا تبذلان الجهد في هذا الصدد.

إن اللقاء الذي بنيت عليه آمال من الطرفين السوريين، أو تخوف البعض منه تبعاً للتوقيت الحساس الذي عقد فيه بالنسبة للأزمة السورية، لم يكن إلا لإذابة جبل الجليد الذي تراكم في الأشهر الأخيرة بين البلدين وانعكس بتأثير سلبي على مصالحهما ما أدى إلى الذهاب نحو إعادة تدعيمها بكثير من التعاون الاقتصادي وشيء من الصراع المخفي المدفوع من عدم الثقة بالرغم من المجاملات الدبلوماسية.

منذ خمس سنوات من عمر الثورة السورية التي تحولت إلى حرب نفوذ دولية، لم تشهد الساحة تقدماً ملموساً نحو حل جذري ينهي الصراع على الرغم من الأحداث المهمة التي أنبأت حينها بإمكانية الحسم، أبرزها اتفاقية إيران والدول الست التي راحت التحليلات حينها إلى الجزم بتدخل تركي سعودي لحماية مصالح السنة من خطر التمدد الشيعي عبر الأراضي السورية بضوء أخضر أمريكي، ثم جاء التدخل الروسي المباشر في سوريا بعد محاولات حثيثة من تركيا في أن يكون لها كلمة فصل في قلب موازيين الصراع عبر إقامة منطقة آمنة على الحدود الشمالية السورية وفشلت في ذلك بسبب تعنت واشنطن التي لم تبدِ أكثر من قلق مصطنع حيال الخطوة الروسية ، فيما يعود رئيس الوزراء التركي ليؤكد في تصريح له مؤخرا أن تجاهل دولة محورية مثل تركيا فيما يتعلق بحلول مشكلات المنطقة، إنما يعني عدم الرغبة في انتهائها، أكثر مما يعني جهلا بها، مبشراً بتحولات جميلة في سوريا ودول المنطقة لا يمكن التنبؤ بحقيقتها من سرابها. لأن التحولات الجميلة رهناً للعبة دولية متكاملة الأطراف وليس للطرف التركي وحده.

ويبقى توافق روسيا وتركيا باباً لرعاية مصالح بلدين مجاورين، أما بالنسبة للقضية السورية فهي باب مفتوح على كثير من الاحتمالات التي لا يمكن حتى الآن الجزم بها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مقارنة بين الجدلية المثالية والجدلية المادية عند كل من جورج هيجل وكارل ماركس

لقد حظيت فلسفة هيجل بتأثير بليغ على الفكر الحديث، وكان ممن تأثر بها إلى حد بعيد هو كارل ماركس الذي قلب له الأمور رأسا على عقب . إذ أن جدلية هيغل هي عبارة عن عملية أو ديناميكية تمضي وفقها جميع القضايا من الأمثل فالأمثل نحو “الفكرة المطلقة” وقد سميت “بالجدلية المثالية”. بينما رأى ماركس عكس ذلك وقال بصريح العبارة أن منهجه الجدلي هو “العكس المباشر” لمنهج هيغل وأن “جدلية الأفكار ليست سوى انعكاسا لجدلية المادة”. لذلك اتخذ من مفهوم الجدلية المادية، أساسا ومنبعا لحركة التاريخ وتطور الفكر.
الجدلية المثالية عند هيجل : يعتبر هيجل الفيلسوف الاهم في المدرسة المثالية الالمانية , والفلسفة المثالية تعني : ’ ان الاشياء المادية لا تبدو كما نتعرف عليها نحن بحواسنا وانها ليست بالصورة التي نستقبلها بها عن طريق حواسنا بل لها طبيعة ذاتية لا يمكن ادراكها بخبراتنا الحسية ’ " لقد كانوا ينظرون الى الجدل على انه جزء منفصل عن المنطق وهم بذلك يسيئون فهمه .. اما نحن فنضع الجدل وضعا يختلف عنهم اتم الاختلاف .. " هيجل - المنطق الكبير - ( من المقدمة ) ان المنهج الجدلي عند هيجل هو المنطق نفسه وليس مجرد صورة طبقها هي…

مقارنة الحالة الطبيعية بين وصف جان لوك ووصف جان جاك روسو

كيف وصف كل من جان لوك وجان جاك روسو الحالة الطبيعية ..؟ عند جان لوك : بدأ جان لوك وصفه للحالة الطبيعية على انها حالة الحرية الكاملة وحالة المساواة فالانسان في هذه الحالة يتمتع بحرية مطلقة في القيام بالافعال والتصرف في الممتلكات بما يحقق مصلحته دون الحاجة لموافقة احد اضافة الى ذلك انه يتمتع المساواة التامة حيث الجميع يتمتع بحقوق مماثلة وسلطات متساوية على الاشياء .. دون ان يكون هناك خضوع او سلطة لاحد على الاخر .. ( حرية مادية ).  ايضا وتشتق الحرية الطبيعية من المساواة الطبيعية وقد عبر عن هذا بقوله : ليس هناك شيء اشد وضوحا من القول بأن مخلوقات من نفس النوع والرتبة , تنعم بكل مزايا الطبيعة نفسها وتستخدم نفس الملكات , تكون ايضا متساوية فيما بينها , دون خضوع او انقياد احدها للآخر . [  الفقرة رقم 4 : من كتابه الرسالة الثانية ]
ولكن اكد على انه وبالرغم من ان حالة الطبيعة هذه هي حالة حرية فإنها ليست حالة من الاباحية وانها تمتلك قانونا يحكمها ويلزم فيه كل شخصمن خلال قوله : لكن على الرغم من ان الحالة الطبيعية هذه هي حالة الحرية فانها ليست حالة من الاباحية , فحالة الطبيعة تمتلك قانونا للطبيعة ليحكمها وي…

مقارنة بين السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا تجاه الازمة السورية ..

مقارنة بين السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا تجاه الازمة السورية
لعبت كل من امريكا وايران دورا مهما وأساسيا في الازمة السورية , تباينت فيها السياسة الخارجية لكل من البلدين , فكل من امريكا وايران تعاملتا مع الازمة السورية من منطلقين مختلفين كل بحسب مصلحته اولا وما يريد تحقيقه من خلال ازمة البلد المنكوب بالحرب والقتال , فعمدتا اللعب على أوتار النار المشتعلة في سورية باختلاف الرؤى والتطلعات والاهداف , إلا انه في نهاية المطاف توّلد عن هذا الاختلاف تقارب وود بين السيد الامريكي  والمعمم الايراني المحتج , وتبلور عن هذا الحب المفاجئ مقدارا من التعاون والتكافل السياسي ووحدة الحال , لاهداف قريبة منها وبعيدة سندرسها في هذا البحث تباعا , بداية من الاختلاف بين السياستين وصولا الى التقارب وتحليل مايبنى عليه من رؤى مستقبلية لوضع الضحية السورية في مطابخ السياسة الدولية . كيف اختلفت السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا في التعامل مع الازمة السورية .. حسب سياسة كل بلد بما لا يضر بمصالحها ويخدم اهدافها ؟
السياسة الامريكية (الاسباب والدوافع والمصالح): تواجه الولايات المتحدة أكثر من أي وقت مضى منذ انتهاء…