التخطي إلى المحتوى الرئيسي

رجوى الملوحي تكتب: أين الأمن والسلم الدوليان؟ ( سوريا تقتل بالأمن والسلم )








رجوى الملوحي تكتب: أين الأمن والسلم الدوليان ( سوريا تقتل بالأمن والسلم)

آخر تحديث : الثلاثاء 29 سبتمبر 2015 12:04 مكة المكرمة



الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، أشهر كذبة في عالم السياسة الحديثة، وهي الكلمة الأكثر شيوعا واستخداما على ألسنة زعماء العالم. وفي الحقيقة، فإنه لا بد للمتعقل العربي عندما يسمع شيئاً مشابها لهذه الحجة القديمة المتجددة، أن يبتسم ابتسامة صفراء تشبه ما يسمعه ويتساءل ساخرا: أين الأمن والسلم الدوليان؟ هل نحن فعلا نعيش في ظلال سلام عالمي ومجتمع دولي مستقر آمن ؟! أم كذبة سوداء وظلام عالمي؟
يقول "ونستون تشرشل" رئيس وزراء بريطانيا أثناء الحرب العالمية الثانية "المزحة هي شيء خطير جداً " كما يقول "الكذبة تكون وصلت إلى منتصف العالم قبل أن تتمكن الحقيقة من الظهور" وعليه فإننا منذ قيام النظام الدولي الحالي نعيش مزحة ممزوجة بكذبة كبيرة تقوم في جلّها على طبيعة النظام العالمي والمواثيق التي تحكمه وتتحكم به، والأهداف المتمثلة فيه وفي مقدمتها ما يسمى بإرساء السلام العالمي.
لقد اتفق المنظرون السياسيون على أن النظام العالمي يعيش اليوم أعباء جسيمة ويمرّ بأزمة حقيقية، مستندين إلى الحروب التي تعصف بالشرق الأوسط، والاضطرابات التي تصاحبها كبروز  كيانات ناشزة عن البنية المعترف عليها والتي تشكل كيان هذا النظام، حيث ستودي به إلى الانهيار عاجلا أم آجلا، يصاحبه تشكل نظام عالمي جديد، تحدد أطر البحث عنه مفاهيم المجتمعات الغربية كما أكد ذلك هنري كيسنجر في كتابه "النظام العالمي".
إن هذا الحديث، يبدو منطقيا من الناحية السياسية، ومقبولا بالنسبة لدول القارتين الأمريكية والأوروبية، وحتى  دول شرق آسيا وأستراليا والقطبين الشمالي والجنوبي، لكن ماذا عن دول الشرق الأوسط التي تعيش ذروة هذا التغيير وتدفع ثمنه، بل وأكثر من ذلك حيث أن الانهيار والبناء  يبدأ منها باعتبارها المسرح الخصب والساحة الوحيدة المهيأة للصراعات، وتصفية الحسابات، وتقاسم النفوذ.
وهنا يحق لنا أن نتساءل، ما موقعنا نحن من هذا النظام، ولماذا يجب أن تحدد مفاهيم المجتمعات الغربية أطر البحث عن نظام جديد وليست مفاهيمنا ونحن من يدفع اليوم الثمن الأكبر ؟
لقد أرست معاهدة "وستفاليا" التي أنهت الحرب الدينية الدموية في أوروبا بين الكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتية عام 1648م، أسس العلاقات الدولية المعاصرة والمنتظم السياسي الدولي، كما غيرت الحرب العالمية الثانية الخارطة السياسية للمجتمع الدولي عما كان عليه بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى.
وتأسست الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية على يد الحلفاء، بديلا عن عصبة الأمم المنهارة جرّاء فشلها في منع قيام الحرب والحفاظ على السلم العالمي وتنظيم التعاون الدولي، بالمساعي والأهداف ذاتها التي قامت عليها العصبة – المحافظة على السلم العالمي والأمن والتعاون الاقتصادي والاجتماعي الدولي ورعاية حقوق الانسان.
وفي السياق التاريخي مما سبق من التحولات الكبرى في العالم، نرى أنه لم يكن للشرق الأوسط أو للعرب على وجه الخصوص دور يذكر أو يثّمن في هذه الأحداث، فشريعة الغاب علمتنا أن لا قيمة للضعفاء المحكومين،  ولا مكان لهم إلا في ذيل المجموعة أو بطون سادتها، فما كان للعرب منها ناقة ولا جمل.
أما بعد انتهاء عصر الاستعمار العالمي ونيل بلداننا الاستقلال المنشود الذي لم يكن منّة من الدول المستعمرة علينا بل نتاجا طبيعيا لانقلاب موازين القوى، وتحول عصر الاحتلال القديم إلى احتلال بأدوات أخرى، راحت البذور التي أسس لها الاستعمار " الاستخراب" بمعنى أصح،  تنمو وتطرح استبدادا وتخلفا وتراجعا على مستوى الأمم الأخرى المشتركة في المنتظم الدولي ذاته حتى يومنا هذا.
ويعود ذلك إلى عوامل منها :
- زيف السياسة العالمية.
- اختلال الموازين التي تحكم العلاقات بين الدول.
- تسييس المنظمات والهيئات الدولية لصالح القوى المسيطرة على العالم.
- مصالح الدول الغربية في إبقاء دول الشرق الأوسط تحت سيطرتها لتوظيفها لخدمة مصالحها واستراتيجيتها.
والأزمة الأخيرة التي تعيشها الدول العربية خير شاهد على تخلي المجتمع الدولي عن مسؤولياته بداية بواجبه في إرساء الأمن والسلم في دول العالم، وليس انتهاء بسكوته عن الجرائم التي ترتكب بحق الإنسان الذي تصان حقوقه في مواثيق المبادئ العامة لحقوق الانسان والتي لم يبقَ منها مبدأ إلا وانتهك في سوريا والعراق واليمن وفلسطين ومصر وليبيا وغيرها من الدول.
إننا نعيش ضمن منظومة واهمة لم  تكن لنا، ولم تخلق لأجلنا، بل أسست إرضاء لمؤسسيها فقط، ولهذا فإن التعامل مع أزمات العالم يختلف باختلاف الدول ومصالحها مع صناع القرار الدولي، ولن يتحقق الأمن والسلم في بلادنا ما لم نتحكم بقرارتنا ونخرج من البوتقة الغربية والمنهج السياسي الغربي، ونتعامل مع أزماتنا بمفردنا، فحسابات الشعوب الضعيفة لا قيمة لها في لحظات التحول الكبرى.
رجوى الملوحي
كاتبة وصحفية سورية


المصدر: الجزيرة مباشر

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مقارنة بين الجدلية المثالية والجدلية المادية عند كل من جورج هيجل وكارل ماركس

لقد حظيت فلسفة هيجل بتأثير بليغ على الفكر الحديث، وكان ممن تأثر بها إلى حد بعيد هو كارل ماركس الذي قلب له الأمور رأسا على عقب . إذ أن جدلية هيغل هي عبارة عن عملية أو ديناميكية تمضي وفقها جميع القضايا من الأمثل فالأمثل نحو “الفكرة المطلقة” وقد سميت “بالجدلية المثالية”. بينما رأى ماركس عكس ذلك وقال بصريح العبارة أن منهجه الجدلي هو “العكس المباشر” لمنهج هيغل وأن “جدلية الأفكار ليست سوى انعكاسا لجدلية المادة”. لذلك اتخذ من مفهوم الجدلية المادية، أساسا ومنبعا لحركة التاريخ وتطور الفكر.
الجدلية المثالية عند هيجل : يعتبر هيجل الفيلسوف الاهم في المدرسة المثالية الالمانية , والفلسفة المثالية تعني : ’ ان الاشياء المادية لا تبدو كما نتعرف عليها نحن بحواسنا وانها ليست بالصورة التي نستقبلها بها عن طريق حواسنا بل لها طبيعة ذاتية لا يمكن ادراكها بخبراتنا الحسية ’ " لقد كانوا ينظرون الى الجدل على انه جزء منفصل عن المنطق وهم بذلك يسيئون فهمه .. اما نحن فنضع الجدل وضعا يختلف عنهم اتم الاختلاف .. " هيجل - المنطق الكبير - ( من المقدمة ) ان المنهج الجدلي عند هيجل هو المنطق نفسه وليس مجرد صورة طبقها هي…

مقارنة الحالة الطبيعية بين وصف جان لوك ووصف جان جاك روسو

كيف وصف كل من جان لوك وجان جاك روسو الحالة الطبيعية ..؟ عند جان لوك : بدأ جان لوك وصفه للحالة الطبيعية على انها حالة الحرية الكاملة وحالة المساواة فالانسان في هذه الحالة يتمتع بحرية مطلقة في القيام بالافعال والتصرف في الممتلكات بما يحقق مصلحته دون الحاجة لموافقة احد اضافة الى ذلك انه يتمتع المساواة التامة حيث الجميع يتمتع بحقوق مماثلة وسلطات متساوية على الاشياء .. دون ان يكون هناك خضوع او سلطة لاحد على الاخر .. ( حرية مادية ).  ايضا وتشتق الحرية الطبيعية من المساواة الطبيعية وقد عبر عن هذا بقوله : ليس هناك شيء اشد وضوحا من القول بأن مخلوقات من نفس النوع والرتبة , تنعم بكل مزايا الطبيعة نفسها وتستخدم نفس الملكات , تكون ايضا متساوية فيما بينها , دون خضوع او انقياد احدها للآخر . [  الفقرة رقم 4 : من كتابه الرسالة الثانية ]
ولكن اكد على انه وبالرغم من ان حالة الطبيعة هذه هي حالة حرية فإنها ليست حالة من الاباحية وانها تمتلك قانونا يحكمها ويلزم فيه كل شخصمن خلال قوله : لكن على الرغم من ان الحالة الطبيعية هذه هي حالة الحرية فانها ليست حالة من الاباحية , فحالة الطبيعة تمتلك قانونا للطبيعة ليحكمها وي…

مقارنة بين السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا تجاه الازمة السورية ..

مقارنة بين السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا تجاه الازمة السورية
لعبت كل من امريكا وايران دورا مهما وأساسيا في الازمة السورية , تباينت فيها السياسة الخارجية لكل من البلدين , فكل من امريكا وايران تعاملتا مع الازمة السورية من منطلقين مختلفين كل بحسب مصلحته اولا وما يريد تحقيقه من خلال ازمة البلد المنكوب بالحرب والقتال , فعمدتا اللعب على أوتار النار المشتعلة في سورية باختلاف الرؤى والتطلعات والاهداف , إلا انه في نهاية المطاف توّلد عن هذا الاختلاف تقارب وود بين السيد الامريكي  والمعمم الايراني المحتج , وتبلور عن هذا الحب المفاجئ مقدارا من التعاون والتكافل السياسي ووحدة الحال , لاهداف قريبة منها وبعيدة سندرسها في هذا البحث تباعا , بداية من الاختلاف بين السياستين وصولا الى التقارب وتحليل مايبنى عليه من رؤى مستقبلية لوضع الضحية السورية في مطابخ السياسة الدولية . كيف اختلفت السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا في التعامل مع الازمة السورية .. حسب سياسة كل بلد بما لا يضر بمصالحها ويخدم اهدافها ؟
السياسة الامريكية (الاسباب والدوافع والمصالح): تواجه الولايات المتحدة أكثر من أي وقت مضى منذ انتهاء…