مزاد سياسي على الشرق الأوسط – رجوى الملوحي


مزاد سياسي على الشرق الأوسط – رجوى الملوحي

“إننا نختلف (مع الروس) بشأن سوريا، لكن خلافنا يتعلق بالدرجة الأولى ليس بنتيجة اللعبة بل بالطريق التي تؤدي إليها”

بهذه العبارة لخص وزير الخارجية السعودي عادل الجبير المحور التي تتمركز حوله الخلافات الروسية – السعودية في لقاء أجرته معه صحيفة “بوليتيكو” الأمريكية خلال زيارته إلى بروكسل للمشاركة في محاضرة ينظمها المعهد الملكي للعلاقات الدولية “اغمونت” في العاصمة البلجيكية، كلام كهذا خارج عن رجل محنك في السياسات والعلاقات الدولية إضافة إلى أنه وزير خارجية إحدى كبرى الدول وأهمها في المنطقة له دلالاته ولا يمكن أن يمرّ مرور الكرام.
لكن كيف يمكن أن نفسر هذا النوع من التصريحات والرسائل التي أراد الجبير إرسالها إلى روسيا بشكل صريح، خاصة وأنه أضاف أن السعودية يمكنها إعطاء روسيا حصة من الشرق الأوسط ستجعلها أقوى مما كان عليه الاتحاد السوفييتي مقابل تخليها عن دعم الأسد..! وكيف سيكون شكل هذه الحصة التي سترضي روسيا وتدفعها للتخلي عن رأس النظام المجرم في دمشق بعد خمس سنوات من الدعم السياسي والعسكري المباشر ومئات الآلاف من الضحايا وبحيرات من الدماء الروسية – الإيرانية – الاسدية؟ وهل موسكو بحاجة لهذه الهبة السعودية؟ والسؤال الأهم ماذا تبقى من الشرق الغارق في دمائه كي يكون في موقع المقايضة والمحاصصة؟
تؤمن المملكة العربية السعودية اليوم بروسيا كقوة عظمى لها نفوذها في الشرق الأوسط وتأثيرها الدولي على القضايا والملفات المعقدة التي تفرض نفسها على الساحة السياسية، على الرغم من الاختلافات في الإيديولوجيا والتعاطي مع ملفات مهمة على رأسها الملف السوري الذي يشكل اليوم قبلة الأطماع السياسية التي تتوجه لها أنظار جميع القوى الفاعلة على هذا المسرح المتشابك بالفوضى وحب السيطرة والمصالح الاقتصادية، كما تنظر موسكو للرياض على اعتبارها طرف أساسي وإقليمي هام لا يمكن التخلي عنه أو معاداته.
لقد خطت كثير من الأقلام السياسية توقعات تطور العلاقات الروسية السعودية خاصة بعد زيارة ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى موسكو العام الفائت، وتم اعتبار هذه الزيارة مؤشر توطيد العلاقات بين البلدين لحاجتهما إلى التكامل السياسي والاقتصادي من وجهة نظر محللين إلا أن هذا لم يتبلور على أرض الواقع حتى الآن على الرغم من العلاقات الجيدة بين البلدين إلا أنها إلى الآن غير قادرة على الإرتقاء أكثر من كون الحاكم الأساسي للعلاقات بينهما اقتصادي تبعا للمصلحة المتبادلة لكل من روسيا والسعودية.
وتتزامن تصريحات الجبير مع حديث جديد حول اتفاق أمريكي – روسي – أوروبي للتوصل إلى حكم انتقالي في سوريا ومنع العمليات القتالية بدءاً من شهر آب/ أغسطس المقبل، وهنا يمكن القول أن هدف التصريحات هذه التي لا نعدها عبثية أو زلة لسان بحكم مكانة الرجل وخبرته محاولة سعودية لاجتذاب روسيا وإفساح موطئ قدم للسياسة السعودية تمكنها من المشاركة في صوغ نهايات اللعبة كما وصفها الجبير بطريقة اعتبرها الروس ابتزازية لنقطتين الأولى في المساومة على رأس الأسد أي المساومة على خيارات روسيا والثانية وهي الأهم وتتركز في محاولة السعودية من خلال تصريح الجبير تحجيم حصة روسيا من الشرق الأوسط بحسب الرغبة السعودية، وذلك بحسب ما صرحت به إلينا سوبونينا إحدى أبواق نظام فلاديمير بوتين التي أكدت أن مصالح روسيا في الشرق الأوسط تتجاوز الأسد أو أي سياسي آخر، وأن روسيا دولة عظمى والحديث بهذه الطريقة سخافة وهراء. 
هذه العقدة الإمبراطورية التي تحكم تصرفات موسكو بوتين والتي ترعرعت ووجدت في الشرق الأوسط مرتعاً لتفريغ طاقات هذه العقدة المكبوتة، تجعل من الصعب مساومة الروس على لعبتهم وأهدافهم وغاياتهم أو مشاركتهم بها.
إن روسيا التي ساهمت حتى الآن بقتل وتشريد مئات الآلاف من السوريين، وتدمير مناطق بأكملها على رؤوس ساكنيها، وسط تواطئ عالمي وضوء أخضر للتوحش الروسي، قادرة على اقتناص مصالحها بيدها أو بالتعاون مع دول تتفق معها أكثر مما تختلف أو دول تقاسمها في مصالحها بشكل فعلي كإيران ولا سبيل للتخلص من خطرها سوى التعاون معها، ولا أظن أن الثمن السعودي سيكون أكبر مما تستطيع إيران كسبه بدون أن تخسر أو تتنازل، كما أن المزاد السياسي الذي نأمل لو استطاعت الدول العربية القيام به، لقطع يد روسيا وإيران وأمريكا عن الشرق الأوسط الذي هو حق لأبنائه وليس المزايدة لإعطاء المزيد من الشرعنة الغربية للتمادي في إجرامها واقتسامها لمصالحها على حساب الشعوب وخياراتها.
لعبة دولية مكشوفة ، انهيار شرق أوسطي، تنازع وتصارع لخطف أكبر قدر من المكاسب.. وإعادة ترتيب النظام العالمي.. خمس سنوات ونحن نصارع مشاريع التغيير التي تقودها المنظومة المتحكمة بالمسار العالمي لما يكون أو ما يجب ان يكون عليه الشرق الأوسط .. نجحت فيها روسيا بإبراز نفسها من جديد لكن السبيل العربي الصحيح في هذه المرحلة هو خلق سياسة موازية لصنع مكانة في هذا المعترك الكبير، عندها يمكن للعرب أن يفتحوا أبوابا مع القوى الأخرى يكسبون فيها أكثر مما يخسرون.

المقال من المصدر:
http://www.manchette24.net/2016/07/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D8%B4%D9%8A%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84-%D9%85%D8%B2%D8%A7%D8%AF-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84/

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مقارنة بين الجدلية المثالية والجدلية المادية عند كل من جورج هيجل وكارل ماركس

مقارنة الحالة الطبيعية بين وصف جان لوك ووصف جان جاك روسو

مقارنة بين السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا تجاه الازمة السورية ..