التخطي إلى المحتوى الرئيسي

لماذا لم تقف أمريكا في وجه الثورة الخمينية ؟ - رجوى الملوحي

لماذا لم تقف أمريكا في وجه الثورة الخمينية؟


رجوى الملوحي

الأحد، 16 أغسطس 2015 09:49 ص







لا يستطيع أحد على وجه الكرة الأرضية، الخروج من دائرة التاريخ،فالتاريخ حلقة محكمة الإغلاق ندور في فلكها، بل وتترابط فصولها كسلسلة بشكل عجيب.

تستطيع أن تبصر فيها المستقبل، إذا عاكست الزمن، ورجعت به إلى الوراء خطوات قليلة كانت أم كثيرة.

وعندما كان التفكر بالحاضر واستشراف المستقبل لزاما علينا،لا بد لنا من العودة بشريط الزمن بضع سنين لنقف عند شتاء الثورة الخمينية "يناير 1978 – فبراير 1979" كمرحلة فاصلة جبّت ما قبلها، وأسست لما بعدها.


لم تكن الثورة الخمينية ثورة عابرة في تاريخنا المعاصر، بل إنها أحد الأعمدة الرئيسية التي قام عليها الواقع الذي نعيشه اليوم بتفاصيله الدقيقة، كما كانت مطلبا دوليا آنذاك،فكلنا يعلم أن المخططات الاستراتيجية هي خرائط وترتيبات وأهداف بعيدة المدى لا نشعر بها أو ندرك أثرها سوى لحظة الانفجار الكبيرأوقُبيله بلحظات عندما تصعد الحمم البركانية فوهة البركان.


كانت الولايات المتحدة الأمريكية الداعمة الكبرى لنظام الشاه محمد رضا بهلوي،كما كان الشاه حليف أمريكا المطيع وابنها المدلل، حيث جعلت أمريكا من إيران البهلوية مرتعا خصبا لها، وأرض حصاد اقتصادي وعسكري وحتى سياسي، في حين اتخذت الثورة الخمينية من نقمة الشعب الإيراني على أمريكا التي نهبت ثروات بلاده وجرتها إلى الوراء ذريعة لها، وفصّلت من هذه الذريعة ثوبا فضفاضا اختبأت فيه، وصدّرت نفسها إلى العالم، عدوا لدودا للشيطان الأكبر خاصة إلى الشعوب العربية التي كانت حكوماتها تعيش متفيئة بظلال أمريكا، وليس لها من أمرها إلا مسايرة الحال وإعلان السمع والولاء، ففُتنت العقول بها دون أن تدرك حقيقتها، واعتبرها بعض العرب انتصارا رأوه أملا بعيدا كل البعد عن واقعهم البائس ومحورهم المنكسر، الذي لا يقوى على مواجهة أعداء الأمة أو حتى مواجهة واقعهم المر ومحاولة تغييره إلى الأفضل، تحديدا بعد أن فقد المحور المصري دوره في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي إثر توقيع أنور السادات معاهدة سلام مع الكيان الإسرائيلي في العام نفسه من الثورة الإيرانية.



لقد كانت العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية في أواخر عهد الشاه حبلى بثورة نجح الخميني بتزعمها عبر استغلال حاجة الشعب لها بعد أن ضاق ذرعا بحكم الشاه وتوسم خيرا بثورة تحسن حياته ومعيشته، كما كان الإيرانيون بحاجة إلى قائد ملهم بالنسبة لهم قادر على تنظيمهم بصفوف ثورية متينة تشعل لهيب الثورة تحت عرش الشاه، ولقد استغل الخميني أيضا حالة التراجع الديني التي أدت لها سياسات الشاه العلمانية المنفتحة على الغرب فتمكن من دغدغة مشاعر الثوار وولائهم للدين واختطف الثورة من أبنائها لتتحول من مطلب شعبي، إلى أداة في يد الخميني للوصول إلى السلطة، ومن ورائه مجتمع دولي بزعامة أمريكا تقدم له الدعم والمساندة لتحقيق مصالح مشتركة ومتبادلة.

إن القراءة في تاريخ الثورات، بات يستجلب لنا لا شعوريا مقارنات مع ثورات بلادنا العربية التي وقفت أمريكا ضدها ولعبت دورا في تخريبها، حتى وإن أعلنت عكس ذلك.


وتدعونا للتفكر ..

هل الظروف الدولية هي التي تتحكم في المشهد، وهل اختلفت الظروف أيام الثورة الإيرانية عن أيامنا هذه، أم الموضوع سياسي برغماتي بحت، تفسره وتعلله المصالح الدولية في بلادنا والاستراتيجيات العالمية التي تحدد ماذا يكون، ومالا يجب أن يكون أو يتحقق،حتى وإن وقفت في وجه الإرادة الشعبية وغضت طرفها عن كل هذه الجرائم والدماء.


إن المصلحة الاستراتيجية الامريكية في الشرق الأوسط تماهت مع خلق عدو جديد للعرب السنة، على حدودهم الشرقية، ووجدت في إيران العدو المناسب، ومن وراء ذلك مصالح عديدة:



- تأجيج حالة النزاع الطائفي وتحويلها مع مرور الزمن إلى اقتتال وحروب أهلية يلهي العرب عن عدوهم الرئيسي ويشغلهم بأنفسهم.


- وضع محور الشر الإيراني الشيعي على الحدود الشرقية لدول المنطقة السنية، لتكون البوابة التي تدخل منها المشاريع الإيرانية إلى العالم العربي، وتجسد ذلك عمليا بعد الاحتلال الأمريكي للعراق.


- خلق بؤر طائفية في دول الهلال الخصيب التي وظفت الأقليات في حكمها، على اتصال مباشر بحكومة ولاية الفقيه الإيرانية، حيث انتقلت هذه الدول كسورية ولبنان والعراق بعد 2003 من دول لها هيبتها وسيادتها إلى دول خاضعة للسيادة الإيرانية بشكل غير مباشر .

- بروز دولة شيعية على حدود الخليج، تستهدف أمنه وأمن دوله، وتضعها في حالة قلق دائم، وعلى رأس هذه الدول المملكة العربية السعودية، ذات المرجعية الدينية السنية في العالم الإسلامي.


فكانت إيران في نظر أمريكا ورقة مساومات طائفية لا ينبغي لها إلا وان تحتفظ وتستأثر بها، وتحركها فيما بعد كما تشاء، أما بالنسبة لشعارات الموت للشيطان الأكبر والكيان الإسرائيلي التي تغنت بها إيران الخميني اثناء الثورة وبعدها، الشعارات التي أصبحت هباء منثورا قبل أشهر إثر المفاوضات الإيرانية النووية مع الولايات المتحدة والدول العظمى في العالم فقدكانت من ضمن المحاور التي عززت الاستراتيجية الامريكية الجديدة في الشرق الأوسط عبر خلق عدو مزيف لإسرائيل في المنطقة للحفاظ على الضرورة الوجودية للكيان الصهيوني. ومن جهة أخرى، فإن العداء الواضح الذي اظهرته السياسات الإيرانية سمح لإيران بتزعم محور الممانعة والمقاومة والدخول في صلب الدفاع عن القضية الفلسطينية التي تتذرع بها، بعد أن تخلت الدول العربية عنها وتركتها لإيران وأذنابها التي وظفتهم لاحقا لخدمة مشروعها التوسعي في الشرق الأوسط.


ونستذكر هنا ما قاله اريل شارون في مذكراته (لم أر في الشيعة أعداء لإسرائيل على المدى البعيد، عدونا الحقيقي هو المنظمات الإرهابية الفلسطينية).


إن الفرق بين الثورة الخمينية والثورات العربية التي وقف الجميع ضدها، يتمحور في نقطتين


أهداف الثورة: التي تعد من أهم الفوارق، فالثورات العربية هي ثورات شعبية شبابية صرفة لا اهداف لها سوى الحرية والعدالة والمساواة، في حين لم تكن الثورة الخمينية ثورة شعبية إلا في باكورتها الأولى قبل أن ينقض الخميني عليها ويحولها إلى أداة لتنفيذ مشاريعه المقترنة بالمصالح الدولية.


توظيف الغرب للثورات: في السياسة، يوجد ما يسمى فنّ إدارة الازمات، وعندما كان الربيع العربي أزمة بالنسبة لدول العالم، فإن الغرب عمد إلى توظيفها والاستفادة منها، بتحويلها إلى فوضى تعصف بالشرق الأوسط عن طريق تأجيج الصراعات وتركه فريسة للفوضى والانهيارات، كما وُظِّفت الثورة الإيرانية لبناء وحش إمبراطوري صفوي، دعمته وقوته إلى أن أصبح سدا منيعا يقف في وجه آمال وأحلام وثورات المكون العربي السني، ويسعى لالتهامه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مقارنة بين الجدلية المثالية والجدلية المادية عند كل من جورج هيجل وكارل ماركس

لقد حظيت فلسفة هيجل بتأثير بليغ على الفكر الحديث، وكان ممن تأثر بها إلى حد بعيد هو كارل ماركس الذي قلب له الأمور رأسا على عقب . إذ أن جدلية هيغل هي عبارة عن عملية أو ديناميكية تمضي وفقها جميع القضايا من الأمثل فالأمثل نحو “الفكرة المطلقة” وقد سميت “بالجدلية المثالية”. بينما رأى ماركس عكس ذلك وقال بصريح العبارة أن منهجه الجدلي هو “العكس المباشر” لمنهج هيغل وأن “جدلية الأفكار ليست سوى انعكاسا لجدلية المادة”. لذلك اتخذ من مفهوم الجدلية المادية، أساسا ومنبعا لحركة التاريخ وتطور الفكر.
الجدلية المثالية عند هيجل : يعتبر هيجل الفيلسوف الاهم في المدرسة المثالية الالمانية , والفلسفة المثالية تعني : ’ ان الاشياء المادية لا تبدو كما نتعرف عليها نحن بحواسنا وانها ليست بالصورة التي نستقبلها بها عن طريق حواسنا بل لها طبيعة ذاتية لا يمكن ادراكها بخبراتنا الحسية ’ " لقد كانوا ينظرون الى الجدل على انه جزء منفصل عن المنطق وهم بذلك يسيئون فهمه .. اما نحن فنضع الجدل وضعا يختلف عنهم اتم الاختلاف .. " هيجل - المنطق الكبير - ( من المقدمة ) ان المنهج الجدلي عند هيجل هو المنطق نفسه وليس مجرد صورة طبقها هي…

مقارنة الحالة الطبيعية بين وصف جان لوك ووصف جان جاك روسو

كيف وصف كل من جان لوك وجان جاك روسو الحالة الطبيعية ..؟ عند جان لوك : بدأ جان لوك وصفه للحالة الطبيعية على انها حالة الحرية الكاملة وحالة المساواة فالانسان في هذه الحالة يتمتع بحرية مطلقة في القيام بالافعال والتصرف في الممتلكات بما يحقق مصلحته دون الحاجة لموافقة احد اضافة الى ذلك انه يتمتع المساواة التامة حيث الجميع يتمتع بحقوق مماثلة وسلطات متساوية على الاشياء .. دون ان يكون هناك خضوع او سلطة لاحد على الاخر .. ( حرية مادية ).  ايضا وتشتق الحرية الطبيعية من المساواة الطبيعية وقد عبر عن هذا بقوله : ليس هناك شيء اشد وضوحا من القول بأن مخلوقات من نفس النوع والرتبة , تنعم بكل مزايا الطبيعة نفسها وتستخدم نفس الملكات , تكون ايضا متساوية فيما بينها , دون خضوع او انقياد احدها للآخر . [  الفقرة رقم 4 : من كتابه الرسالة الثانية ]
ولكن اكد على انه وبالرغم من ان حالة الطبيعة هذه هي حالة حرية فإنها ليست حالة من الاباحية وانها تمتلك قانونا يحكمها ويلزم فيه كل شخصمن خلال قوله : لكن على الرغم من ان الحالة الطبيعية هذه هي حالة الحرية فانها ليست حالة من الاباحية , فحالة الطبيعة تمتلك قانونا للطبيعة ليحكمها وي…

مقارنة بين السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا تجاه الازمة السورية ..

مقارنة بين السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا تجاه الازمة السورية
لعبت كل من امريكا وايران دورا مهما وأساسيا في الازمة السورية , تباينت فيها السياسة الخارجية لكل من البلدين , فكل من امريكا وايران تعاملتا مع الازمة السورية من منطلقين مختلفين كل بحسب مصلحته اولا وما يريد تحقيقه من خلال ازمة البلد المنكوب بالحرب والقتال , فعمدتا اللعب على أوتار النار المشتعلة في سورية باختلاف الرؤى والتطلعات والاهداف , إلا انه في نهاية المطاف توّلد عن هذا الاختلاف تقارب وود بين السيد الامريكي  والمعمم الايراني المحتج , وتبلور عن هذا الحب المفاجئ مقدارا من التعاون والتكافل السياسي ووحدة الحال , لاهداف قريبة منها وبعيدة سندرسها في هذا البحث تباعا , بداية من الاختلاف بين السياستين وصولا الى التقارب وتحليل مايبنى عليه من رؤى مستقبلية لوضع الضحية السورية في مطابخ السياسة الدولية . كيف اختلفت السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا في التعامل مع الازمة السورية .. حسب سياسة كل بلد بما لا يضر بمصالحها ويخدم اهدافها ؟
السياسة الامريكية (الاسباب والدوافع والمصالح): تواجه الولايات المتحدة أكثر من أي وقت مضى منذ انتهاء…