الديمقراطية التركية .. سيف ذو حدين - رجوى الملوحي





الديمقراطية التركية .. سيف ذو حدين



انتهت الإنتخابات البرلمانية التركية ، والتي وصفت بالانتخابات التاريخية والمصيرية لتركيا بالمقام الأول ، وأيضا للعديد من الملفات والقضايا الإقليمية التي كانت معلقة على ستارة هذه الانتخابات وأهمها الملف السوري .


صدمات عنيفة بدأت بالتوارد تباعا أثناء فرز الأصوات ، وعيون متربصة اتجهت نحو النسب المئوية بكثير من الإهتمام والترقب وشيء من الخوف الذي لم يخفيه أحد من المتابعين لمجريات هذه الانتخابات .


نتائج لم تكن مرضية إلى حد كبير ، فلقد حصل حزب العدالة والتنمية على أعلى الأصوات بنسبة 40.81% من إجمالها ، مما يتيح له 258 مقعدا في البرلمان من أصل 550 مقعدا ، مايعني تناثر أحلام الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بتعديل دستور الجمهورية التركية الذي سنّه مصطفى كمال اتاتورك ، وكسر قيود الكمالية الاتاتوركية ، وتحويل نظام الحكم في تركيا من برلماني إلى رئاسي ، الخطوة التي كانت تحتاج 367 مقعدا لتعديل الدستور دون استفتاء ، و 330 لتعديل الدستور باستفتاء .


ولم ينجح حتى في انفراد حزبه بتشكيل الحكومة وهذا اضعف الأيمان .. وكان يحتاج لهذه الخطوة 276 مقعدا .


بالمقابل فلقد فجر حزب الشعوب الديمقراطي الممثل للأكراد في تركيا مفاجأة مدوية بتجاوزه العتبة الانتخابية المقدرة بـ10% التي تتيح له الدخول في البرلمان بنسبة 12% ، أدى ذلك إلى سحب 78 مقعدا مضمونا من بين يدي الحزب الحاكم ماكان يمكنه بأريحية مطلقة من تشكيل الحكومة بمفرده و طرح تعديل الدستور إلى الاستفتاء ، وهنا يكمن ” بيت القصيد ” ..


بداية يجب علينا أن نفند أهمية صياغة دستور جديد لتركيا ، يضمن انتقالها من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي ، لنفهم لماذا وقف الكماليون الجدد أعداء النهضة في وجه إنجاح هذا المشروع بإنجاح الحزب بنتيجة ساحقة …


أولا : إن صياغة دستور جديد للبلاد ، يخلص البلاد من القيود الكمالية الاتاتوركية التي فرضها مصطفى كمال اتاتورك عند انشائه لتركيا الحديثة ، مما يعني إندثار بصمة كمال أتاتورك من الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تركيا والتي لم تجلب على مر عصر التاريخ التركي الحديث سوى أزمات متتالية ، فكان لا بد من صياغة دستور جديد يتوافق والحاضر التركي الذي استطاع بفضل حزب العدالة والتنمية التخلص من الإرث الذي زرعه اتاتورك والتاريخ شاهد على مرارته . 


ثانيا : يضمن الانتقال من نظام الحكم البرلماني إلى الرئاسي ، فصلا بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ، التي تعاني في تركيا من خلل في العلاقة بينهما ، مما يحل أزمات عدة أهمها أزمة التوافق ويضمن استقرارا أكبرا للنظام السياسي في البلاد بعيدا عن المكائد السياسية والاصطفافات الكيدية بين النواب في البرلمان والذي يسعى كل منهم لضرب الحزب الآخر وإعاقة تقدمه قبل التفكير بالمصلحة العليا للبلاد .


ثالثا : إن الانتقال من النظام البرلماني الى الرئاسي ، سيعطي الرئيس أردوغان ، صلاحيات أكبر وقوة دفع كبيرة لتحقيق أهدافه المرسومة من خلال مشاريع سياسية واقتصادية ضخمة تقود تركيا مجددا إلى مصاف الدول المستقرة سياسيا والمزدهرة اقتصاديا .


لقد خاض حزب العدالة والتنمية معركة شرسة ، ضد مكنات محلية ودولية ، سعت بشتى الطرق إلى ضربه في الانتخابات وعرقلة مشاريعه التي تهدف إلى نقل تركيا لعهد أكثر إستقرار وازدهار ، فحاولت النيل من الحزب نفسه ومن شخص السيد اردوغان وتشويه صورته في أكثر من مناسبة ومحفل.


فما حصل في ‫تركيا يعد من سخرية الديمقراطية ، جميع الأحزاب لم تراهن على الفوز بالانتخابات ، بل على كيفية إسقاط حزب العدالة والتنمية وقلب الطاولة عليه ليتحقق لها الانتصار النسبي وليس الشكلي ..


10% كانت عتبة الدخول إلى مناخ ديمقراطي بإشراك إحدى الفئات التركية المتمثلة بالأكراد – وهو حق لهم – لو كان الهدف من وراء ذلك هو فعلا انتصار الديمقراطية كما يزعمون ..!!


لكن الحقيقة أن الأكراد استخدموا اليوم في تركيا كأداة لسحب المقاعد ووضع العوائق أمام حزب العدالة والتنمية ليس أكثر.. وهذا هو سر تحالف الأحزاب القومية واليسارية التركية والكيان الموازي المتمثل بجماعة فتح الله كولن مع حزب الشعوب الديمقراطي الكردي ودعوتهم أنصارهم إلى التصويت لهم ، رغم اختلاف المشاريع بينهم كليا ، إلا أنهم اتفقوا على هدف واحد وإن اختلفت توجهاتهم . فدائما ما يستخدم أعداء الدولة من يفضلون مصالحهم الضيقة على المصلحة العامة كأدوات ..


جميع التوقعات تشير إلى أن تركيا مقدمة على أزمة سياسية صعبة ، في حال لم تشكل الحكومة في مدة أقصاها 45 يوما ، ويبقى الأمل في انتخابات مبكرة تقلب كفة الموازيين وتعيدها إلى صالح العدالة والتنمية .


إن مقدار الفرحة والشماتة التي شاهدناها فور إعلان النتائج ، عند الكثيرين ممن حملوا لواء العداء لمهندس النهضة التركية الحديثة رجب طيب اردوغان ، بدءا بالإعلام الإسرائيلي ، والأسدي ، والسيساوي ، ، وليس انتهاء بما صرح به مستشار ولي عهد أبو ظبي عبد الخالق عبد الله عندما هاجم ” أردوغان ” بصراحة على صفحته في تويتر بتغريده قائلا فيها : “تحجيم اردوغان مطلوب وهزيمة حزبه مرغوب وتقليص سيطرتهما على المشهد السياسي التركي يصب في صالح الدولة الديمقراطية العلمانية الحديثة في تركيا” .. عدا عن الجمع الغفير من العلمانيين والاشتراكيين والقوميين وثلة من الاكراد الانفصاليين ، مقدار فرحة وشماتة تتناسب طردا مع ضمور العداء لتركيا الحديثة أولا متمثلة بشخص اردوغان ، والعداء الأكبر هو للأمة الإسلامية والتي كان اردوغان أيضا مرشح لأن يكون سلطانها .


أما على صعيد تأثير هذه النتائج على الملف السوري ، فبالرغم من تأكيدات تركية رسمية وغير رسمية أن لا شيء سوف يؤثر على وضع اللاجئين السوريين في تركيا ، لسبب بسيط أن تركيا دولة حكومة وقانون ، لا يخفي السوريون خوفهم من المجهول القادم والذي من المحتمل أن يؤثر سلبا على أوضاعهم في داخل تركيا ، خاصة إن تحالف حزب العدالة والتنمية مع أحد الحزبين المتوقعين ، حزب القومي التركي المتعصب لقوميته التركية أو الحزب الشعوب الديمقراطي الكردي .. وكلاهما يرفض سياسة حزب العدالة والتنمية تجاه الثورة السورية . 


كما أن التعويل اليوم على حسم للأزمة السورية كان ملقى على عاتق تركيا بات من المستحيل لسببين رئيسين ، أولهما لانشغال تركيا بشأنها الداخلي ، وثانيهما لضعف تأثير موقف الحزب الحاكم ، ووقوف الأحزاب الأخرى عائق في طريق اتخاذه لأي خطوة من الممكن أن تنعكس سلبا على مصيره ومستقبله السياسي في الحكومة التركية .


ختاما : للديمقراطية سيف ذو حدين ، فيمكن للديمقراطية عندما توضع في أيدي الأشرار والأعداء أن تمنحهم نصرا بطرائق تعد في العرف غير شريفة ولا نزيهة إنما يبررها قانون اللعبة الديمقراطية ، حتى لو كانت ستطعن في الدولة وتجرها إلى الوراء.


http://akhbarturkiya.com/?p=62049


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مقارنة بين الجدلية المثالية والجدلية المادية عند كل من جورج هيجل وكارل ماركس

مقارنة الحالة الطبيعية بين وصف جان لوك ووصف جان جاك روسو

مقارنة بين السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا تجاه الازمة السورية ..