أن تكون مشرقيا - رجوى الملوحي

أن تكون مشرقيا ..!

الأربعاء، 15 أبريل 2015 07:57 م
أن تكون مشرقيا ..!
أن تكون من أبناء المشرق العربي.. ضاربة جذورك في أرض العُرب، أي أنك تختزل الدنيا في راحتيك " جمالا – وتاريخا – وحضارة " وأيضا كوارث ومصائب ومشاكل..!!

أن تكون مشرقيا، أي أنك حملت فوق كتفيك الحانيتين من قهر الزمان، و عاتقك المكسور، وفؤادك المثخن بالأوجاع، وزر العالم الصفيق..!!

أن تولد وتترعرع وتعشق تراب هذه الأرض، أي أنك ستكون مستعدا للجلوس في بقعة الضوء.. ووسط علامة الهدف، كيف لا؟ وقد شاءت الأقدار أن تكون أرضك عامل جذب لكل ما يحيط بها كونها مركزا للثقل والتوازن؟! ومخزونا للإرث الديني والحضاري، والغنى الاستراتيجي والاقتصادي والبشري، الذي تتغنى به كل شعوب العالم، ونلعنه نحن صباح مساء..!!

يقول "توماس هوبز" في فلسفته الشهيرة "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، واصفا الحالة الطبيعية للبشر، كما يقول في توصيف آخر: الحالة الطبيعية هي: "حرب الكل ضد الكل".

وفي الحقيقة أن العالم كله اليوم مستذئب على هذا المشرقي، فهو الوحيد الذي يدفع فاتورة الحالة الطبيعية للبشر هذه، كما وصفها "هوبز". 

اليوم، وبصفتي مشرقية، لن أسهب في الحديث عن تاريخ المشرق العظيم، فعندما يحتضر الحاضر على قارعة الوقائع، ويصبح التاريخ أغنية جميلة كأغاني حب الزمن الجميل، نرددها دائما دون ملل، لكن واقعنا مختلف عنها تماما، لن تفيدنا عظمة الماضي في شيء، والأولى أن نعير اهتمامنا لما آل عليه حاضرنا، وما سيؤول إليه مستقبلنا، مستهلين من التاريخ روحه لصناعة النهضة المنشودة.

نظر ابن خلدون إلى الدولة على اعتبار أنها كائن حي يولد وينمو ثم يهرم ليفنى، وأكد على أن للدولة عمرا، مثلها مثل الكائن الحي تماما.. ولكن، ماذا لو أن هذه الدولة ماتت قبل أن تحيا؟ هذا بالضبط ما حصل مع دولتنا العربية.. التي أسست فوق ركام من الاختلالات البنيوية العميقة المتفاقمة بخط سير موازي لعمر الكيان العربي بكانتوناته السياسية المختلفة، الذي قام استجابة لمشروع السيطرة الأوروبي، الهادف إلى تعميق التجزئة، وإبقاء الكيان العربي في دوامة الضعف والإخفاق والعجز، متجاهلا العوامل التي تربط هذه الرقعة الجغرافية الممتدة على مساحة 13.6 مليون كلم2، وتوحدها، والدليل الذي يؤكد هذا الأمر هو كثافة التفاعل بين أجزاء هذا النظام الإقليمي المتكامل تاريخيا وآنيا أيضا، وتعد ثورات الربيع العربي خير مثال على سرعة هذه التفاعل العابر للحدود السياسية .

وهذا ما دعا إلى ضرب الثورات العربية بثورات مضادة، والعمل على إعادة تدوير الأنظمة البائدة بقوالب جديدة ظاهريا، بالسرعة والفترة الزمنية المتقاربة ذاتها، فعندما ينظر الغرب إلى الأرض العربية لا ينظر إليها ككيانات مجزئة، بل ككتلة واحدة لا يمكن إبقاء أي جزء منها بمنأى عن الآخر، لمدى التأثر الكبير وسهولة انسياب الأفكار والأيديولوجيات بين أقطار الوطن العربي، كما أن التغيير ليس بمعزل دولة عن أخرى، وعندما سينهار هذا النظام الإقليمي العربي، سينهار بشكل كلي، وليس دولة على حساب الأخرى. "وكلنا بالطبع متفقون بأنه شرع في الانهيار ولا مجال لبقائه أكثر". 
فكل هذه الجزيئات هي بالأصل نواة واحدة، وعلينا أن نتعامل معها على هذا الأساس.

أكثر من نصف قرن والمشرق مضربا لمثل الاستبداد والعنف والفقر والجهل والبطالة والخوف، لن أتكلم هنا عن جمال عبد الناصر أو حافظ الأسد مؤسسَيْ الدولة الاستخباراتية العميلة، الشخصيات الكاريزمية الزائفة التي ألهبت مشاعر السذج من الناس، وسلبتهم باسم القومية العربية المنسية حقوقهم وإرادتهم وحتى عقولهم، لن أتكلم عن حسني مبارك والقذافي، وبن علي، وعلي عبد الله صالح، لن أتكلم عن بشار الأسد وعبد الفتاح السيسي وحفتر والسبسي، عن المالكي وخليفته العبادي، فكل هؤلاء الأبالسة لفظهم بحرنا المشرقي ولفظهم حاضرنا الشقي، سأتكلم عنا نحن أبناء المشرق، فنحن من نستحق أن نملأ الصفحات البيضاء، ولنا تٌستحق الحروف أن تكتب . 

يقول أرنولد توينبي إن التحديات هي سر نهضة الأمم، ولولا التحديات لما وجدت الحضارات.. 
إن التحدي الذي يواجهنا اليوم هو من أصعب التحديات التي من الممكن أن تصادفنا، فنحن اليوم في خضم صحوة بعد سبات طويل، لكنها ترتقب اليقظة، والصحوة هي أولى مراحل البعث الحضاري، والإحساس بالذات والهوية، لكنها تبقى قاصرة عن التمتع بالرشد الكامل، وهذا ما نقع فريسته اليوم، أما اليقظة التي ننتظرها، ويجب أن نعمل من أجل الوصول إليها، هي أن يدرك المشرقي مكانه ووضعه بالنسبة لما يحيط به من أشياء، وأن يكون لديه المقدرة على التعامل معها برشد ووعي كاملين، إضافة إلى النهج المخطط والمدروس.

ويحدث ذلك عندما نتفقه بفقه المستقبل بعين البحث والنظر، فشاء من شاء وأبى من أبى، نحن نسير اليوم على طريق النهضة، وهذه حقيقة بدأت معالمها بالتجسد، حتى وإن كانت متعثرة في موضع ما، وخائبة في موضع آخر، لكن يجب علينا أن نتيقن حقيقة بأننا نعيش صحوة يجب أن نقرنها بالعمل المنظم حتى نحولها إلى يقظة ثم نهضة، غير أن هذا التحدي يتطلب منا إعمال التفكير ودراسة الواقع وبذل الجهد وعدم اليأس، بل المحاولة باستمرار للوصول إلى غايتنا ومبتغانا. 
فاستفق أيها المشرقي ..!!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مقارنة بين الجدلية المثالية والجدلية المادية عند كل من جورج هيجل وكارل ماركس

مقارنة الحالة الطبيعية بين وصف جان لوك ووصف جان جاك روسو

مقارنة بين السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا تجاه الازمة السورية ..