ثيران الترويكا - رجوى الملوحي


ثيران الترويكا

الجمعة، 20 مارس 2015 06:21 ص

ثيران الترويكا


"يطلبون منا أن لا نكون نحن، ولا نكون هم، بل أن نكون شيئا آخر، أي في منطقة اللا لون، واللا ملامح، واللا هوية، أي في هامش "المسخ" الذي لا ينتمي إلى شيء، أي في مكان اللقيط، مجهول الأبوين، مجهول المصير.."

استوقفتني هذه العبارة في أحد الكتب التي تتحدث عن صناعة المستقبل، وإنجازه.. والتي تصف العلاقة بين الشعوب العربية والغرب، كما يريدها.. علاقة مختلة، غير سوية، غير متكافئة.. علاقة قوي بمغلوب على أمره، وظالم بمظلوم.

وعلى أعتاب بلورة إطار للاتفاق النووي الإيراني، نقف اليوم، وترويكا جديدة تتحضر للتشكل لتقود عربة البقعة العربية المحطمة، -والترويكا هي العربة التي يقودها ثلاثة جياد متراصة- والكلمة أصلها روسي، استطاعت أن تحقق ذيوعا وانتشارا مكّنها من أن تفرض نفسها على القاموس السياسي الحديث.. بعد دخولها إلى عالم السياسة عام 1960.

قرنت قديما باللجنة الثلاثية التي تقودها المفوضية الأوروبية مع البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي، في حل أزمة منطقة اليورو، وحديثا بالائتلاف الحاكم رئاسيا وحكوميا وبرلمانيا في تونس والذي يتكون من ثلاثة أحزاب ذات الأغلبية الممثلة في المجلس الوطني التأسيسي التونسي لتكوين أغلبية مستقرة في الحكم.

واليوم نشهد شكلا جديدا للترويكا، ترويكا أطراف دولية، أمريكية، إسرائيلية، وإيرانية، من ظلم التشبيه أن نقول عنهم ثلاثة جياد، بل ثلاثة ثيران جذبتهم دماؤنا الحمراء إلينا.

خطوة واحدة تفصل إيران عن التوصل إلى إطار إتفاق يعطيها الضوء في أن تبسط سيطرتها ونفوذها على عواصم الوطن العربي، لعشر سنوات قادمة، مقابل تجميد برنامجها النووي بشكل مؤقت حتى انتهاء العشر العجاف والوصول الى اتفاق.. حيث أن "أوباما" لم يتحدث عن تفكيك أو تدمير قدراتها وبنيتها التحتية النووية، وجاء ذلك مبكرًا قبل بدء جولة المفاوضات الجارية. وهنا يكمن السـر.

من ناحية أخرى نشرت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية مقالًا لـ"جوشوا جليرنتر" اقترح فيه إقامة إقليم مستقل لقطاع غزة تحت الإشراف المصري لمدة عشر سنوات.. تقوم خلالها مصر بسحب الأسلحة من القطاع وتولي مسؤولية اجتياح غزة إذا أطلقت منها صواريخ على إسرائيل. المقترح الذي يخدم سياسة عبد الفتاح السيسي تجاه شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة.

والسؤال هنا، ما هي الصورة التي رسمت في مخططات السياسة العالمية للشرق الأوسط إلى عشر سنوات قادمة؟ وما الذي تخفيه؟

إيران التي تتحكم فعليا بـ "أغلب عواصم الوطن العربي" بشكل مباشر كما الحال في سوريا والعراق، أو غير مباشر بحكم ماتمتلكه من نفوذ وأحزاب وحركات تابعة لها ومسخرة لخدمتها في دول أخرى كلبنان والبحرين واليمن. باتت الوسيط والوصي بين الدول العربية والغرب بحكم سيطرتها وتفاوضها على هذه الدول.

ومن ناحية المصالح الاستراتيجية فإن جوار إسرائيل الآمن سوف يساعد على الحد من معضلة الأمن الإسرائيلية والهوس الأمني الاسرائيلي، مما سيعطي أمريكا رخاءً أكبر، فثور الترويكا الواقع في المنتصف، المتمثل بإيران، هو فعليا من يجر العربة، وما على الثورين الأيمن والأيسر "أمريكا وإسرائيل"، إلا حرف الوجهة إن لم يعجبهما المسار، حسب المصالح والمقتضيات.

ومن دلائل استمرار الخطة الإيرانية المدعومة أمريكيا واسرائيليا، في قضمها البقاع العربية الواحدة تلو الأخرى.. أن تبرز فئة شيعية مسلحة تعرف باسم "سرايا المختار" داخل الأراضي البحرينية.. تعرّف نفسها بأنها فصيل بحراني يتبنى منهج المقاومة الإسلامية تأسس سنة 2012.. على غرار حزب الله في لبنان ومليشيا الحوثي في اليمن..

وأخيرا لنعترف بأن إيران احتكرت بذكاء تلك الرقعة الهائلة من الأرض التي وهنت واندثرت معالمها، وما الأيام القادمة إلا تتويج لجهودها.. بإكليل امريكي، و نيشان إسرائيلي، لمزيد من الذل وترسيخ الانقياد والاستغلال.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مقارنة بين الجدلية المثالية والجدلية المادية عند كل من جورج هيجل وكارل ماركس

مقارنة الحالة الطبيعية بين وصف جان لوك ووصف جان جاك روسو

مقارنة بين السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا تجاه الازمة السورية ..