الغرب والقولبة الإعلامية - رجوى الملوحي

الغرب والقولبة الإعلامية


رجوى الملوحي


الجمعة، 13 فبراير 2015 09:10 م




لنغمض أعيننا قليلاً ، ونتخيل كيف سيكون المشهد لو أن الأسرة العربية المسلمة التي قتلت في أمريكا على يد أمريكي متطرف هي أسرة من ديانة وأصول أخرى ، وأن من قام بقتلهم شخص متطرف يحسب على الإسلام .. ترى كيف سيكون مشهد الإعلام العالمي والغربي.. وكيف ستتم تغطية الجريمة ؟ من وقت ليس بقريب، يتبع الغرب في سياسته الإعلامية ، سياسة تهدف إلى شيطنة الإسلام والمسلمين ونسب كل شرٍ في العالم إليهم ، وكأنهم النازيوون الجدد أو بقايا انهيار الاتحاد السوفيتي ، لأهداف لم تعد تخفى على أحد ومن أهمها شرعنة مطامعهم في الأراضي العربية والإسلامية، وتبرير حروبهم الدموية عليها أمام الرأي العام وأمام شعوبهم، وطبعاً استغلال هذا في سياستهم الداخلية تجاه بلدانهم، وتسمى هذه العملية بالقولبة الإعلامية، وهو نهج إعلامي عبارة عن تحديد مسبق لفكرة أو مجموعة من الأفكار، تغذيها خلفيات معرفية محددة وتهدف بشكل تبسيطي وتعميمي إلى وصف الآخر، انطلاقاً من انتماءاته الدينية والعرقية، وعملية القولبة الإعلامية هي أبرز وسيلة ينتهجها الإعلام الغربي تجاه الإسلام والمسلمين بغية توصيف الإسلام في قوالب نمطية شديدة الازدراء والتشويه، يبتغي من ورائها إلصاق تهمة الإرهاب والعنف بالإسلام، وهذه الصورة النمطية المشوهة التي يصدرها إلى أذهان الإنسان الغربي كفيلة بصنع مايسمى " بالإسلاموفوبيا " كما أن هذه الوسيلة قد صدرها الغرب بشكل أو بآخر إلى العالم العربي، وتم استخدامها ضد الثورات العربية بغية ترهيب العرب من الإسلام، حيث أدت إلى تنصل بعض المسلمين من جذورهم وتاريخهم، وانقسام الشارع العربي إلى عدة فئات وتصنيفه في عدة أطر وتصنيفات. وليس هذا فحسب، بل ساعدت من خلال هذه العملية على تنامي وتعاظم ظاهرة التنظيمات المتطرفة وتوسعها ، وأيضاً على تخدير عقول الشباب المسلم الذي يرى من خلال السياسات الإعلامية الغربية احتقاراً لدينه، فيجد في هذه التنظيمات ضالته . وهذا ما يفسر الضجة الإعلامية التي ينتهجها الغرب عند أي حادث يستهدف الغرب من مسيحيين ويهود وغيرهم . " وشارلي إيبدو مؤخراً " خير مثال على ذلك؛ فعندما تناول الإعلام الغربي موضوع شارلي إيبدو لم يتناول عنصرية الرسامين الكاريكاتوريين التي دفعتهم لتشويه صورة نبي المسلمين، بل سلط الضوء بشكل سينمائي رخيص على وحشية المسلمين وإرهابهم كما يدعون، وعمد إلى تجاهل أي حادثة أو إجرام يكون بحق المسلمين بأيدي غربية إرهابية وعنصرية، فبالرغم من شناعة الجريمة التي حدثت في ولاية كارولينا الشمالية إثر قيام أمريكي عنصري متطرف بقتل ثلاثة مسلمين " ضياء ويسر ورزان " لم نسمع أو نرَ تلك الضجة ، بل عمل الإعلام الغربي وخاصة الأمريكي على التكتم وتجاهل الحادثة، وراح يدعي بشكل غير منطقي أن دوافع الجريمة هي بسبب خلاف على موقف كراج السيارات، نافياً أن يكون الهدف عنصرياً أو له علاقة بدين وأصول المغدور بهم، على الرغم من أن صفحة القاتل على الفيس بوك تضج بالشعارات العنصرية، وكان قد استعرض السلاح الذي قام باستعماله في أثناء تنفيذ الجريمة بشكل مريب جداً قبل أيام من إقباله على فعلته، وهذا إن دل على شيء، فإنه لا يخرج عن سياق ازدواجية معايير الغرب وعنصريته من إعلام ومؤسسات حقوقية وإنسانبة، ومنظمات أممية ودولية تنصب نفسها مثالاً للحيادية والمصداقية، وليس بعيداً عن أدوات الحرب ضد العرب والمسلمين، الذي يشكل الإعلام جزءاً كبيراً منها. ولا يفوتني هنا أن أذكّر بأن مصطلح الإرهاب هو صناعة أمريكية – غربية بامتياز، وأن الجرائم التي تنسب إلى وحشية القرون الوسطى والتي ارتكبها ويرتكبها الغرب وامريكا بحق أبرياء العالم من مسلمين وغيرهم، مازالت تذكرنا بمنبع الإرهاب الحقيقي، وعلى سبيل المثال فإن فظائع سجني أبو غريب وغوانتنامو وفضائح CIA بحق المسلمين مازالت تعشش في أذهاننا، أيضاً مذابح الوطن العربي الحديثة، التي تغض أمريكا الطرف عنها وتباركها، بل وتشارك في صناعتها .

http://arabi21.com/story/809452/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D9%84%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9#category_2

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مقارنة بين الجدلية المثالية والجدلية المادية عند كل من جورج هيجل وكارل ماركس

مقارنة الحالة الطبيعية بين وصف جان لوك ووصف جان جاك روسو

مقارنة بين السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا تجاه الازمة السورية ..