التخطي إلى المحتوى الرئيسي

العلم في جوهر مشروع التحرر- رجوى الملوحي


العلم في جوهر مشروع التحرر

رجوى الملوحي

العربي الجديد

الحرية قوة، سيفها عِلم يمهد لها درب الاستمرار، ويكون درعاً لها في طريقها المعبّد بالدم، المحفوف بالمهالك. عندما نريد أن نتحدث عن أسس الحرية، وقواعد التحرر من قيود العبودية، لا بد أن نعطي للعلم، في حديثنا، موضع الركن والأساس الأكثر أهمية، والأكثر تأثيراً. ففي أزمة الحريات وحقوق الإنسان، المصاحبة لدروب التحرر في العالم العربي، نلمس مساحة شاسعة من الأمية العلمية والثقافية، وغياب الوعي، ونرى أن الإنسان العربي، لا يحظى بقيمة تذكر، في موازين القوة في عالم السياسة، الذي يعج بالأقوياء والأذكياء والفصحاء بعلمهم. كما نجد الإنسان العربي، مدفوعا لهذا الحال، على الرغم من إرادته، بسبب ظروف العوز والفقر والبطالة، والتحضر المزيف، المبني على ثقافة الاستهلاك، والمؤسسات التعليمية التي تبرع في اصدار الشهادات، دون محاولة منها لأن تصنع إنسان العصر الحديث، وتنميه، دافعةً إياه لتفجير طاقاته بشكل واعٍ.

إن الشعوب التي تغرق في غياهب الجهل والتخلف، تصاب بنوع من شلل الحاضر، وعمى في رؤية المستقبل، وتصلب في العقول، يدفعها لأن تتجمد في عصرها، ولا تواكبه، فلا تعود تملك خياراتها، ولا تستطيع إلا أن تكون كرة تتقاذفها أيدي الغير، فهي غير مسيطرة على زمام أمرها، حتى وإن حاولت، فإن الفشل سيكون نهاية طريقها. لذلك؛ لا يستطيع شعب جاهل أن يقود نفسه بنفسه، بل سيكون رهينة لسلطان نخبة تحكمه، أياً كانت طبيعة هذا السلطان، ومهما كان توجهها ومصالحها الضيقة. نستطيع أن نستذكر هنا ما فعلته نخبة المجتمع العربي، في ظل حكم الإمبراطورية العثمانية، وهي التي تثقفت آنذاك واستمدت علمها من البيوت الأعجمية، فُغسلت عقولها حتى تفرنست وتبرطنت، وفقاً لمحددات الهيمنة الأنجلوسكسونية والفرنكفونية، على الخيارات الثقافية والعلمية، في العالم المستعمر آنذاك. فلم يرتقي مشروع النخب العربية لأن يصل موقع المشروع التنويري النهضوي الذي يحتاجه مستقبل شعوبها.

بين العلم والحرية جسـور متينة، لا تكاد ترى، إنما يبصرها من يجمع المعرفة بالعلم، وإرادة الحرية. فالعمل في سبيل نيل الحرية، والتمتع بما يمكن أن توفره للشعوب، يشترط فيه توفر المعرفة العلمية، والتوصيفات السليمة لمشاكلنا، والخط الواضح لتطلعاتنا المستقبلية. فإذا ذكرت الحرية، تذكر العبودية، كضد ونقيض لها، كذلك إن ذكر العلم، يحضر الجهل ضده، وهذا يقود للاعتراف بأن كلا النقيضين يجتمع ضد النقيضين، بمعنى أن للعبودية في الجهل مرتع، والعكس بالعكس.

يشكل العلم ركيزة نهضة أي مجتمع إنساني‏، ‏ فالعلم، بجميع مجالاته، يمثل المعرفة، التي دونها لايستطيع الإنسان أن يفهم نفسه، أو علاقته بالآخر، أو العالم الذي يعيش فيه، فتكون الحـرية هي حرية فهم الذات، قبل أي شيء أخر. ولنا نحن العرب والمسلمون، خير تمثيل في قول نبينا الكريم: "العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة"، إضافة إلى أن من أقبح أنواع الاستبداد المنافي لمفهوم الحرية، "استبداد الجهل على العلم، واستبداد النفس على العقل"، بحسب قول الكواكبي .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مقارنة بين الجدلية المثالية والجدلية المادية عند كل من جورج هيجل وكارل ماركس

لقد حظيت فلسفة هيجل بتأثير بليغ على الفكر الحديث، وكان ممن تأثر بها إلى حد بعيد هو كارل ماركس الذي قلب له الأمور رأسا على عقب . إذ أن جدلية هيغل هي عبارة عن عملية أو ديناميكية تمضي وفقها جميع القضايا من الأمثل فالأمثل نحو “الفكرة المطلقة” وقد سميت “بالجدلية المثالية”. بينما رأى ماركس عكس ذلك وقال بصريح العبارة أن منهجه الجدلي هو “العكس المباشر” لمنهج هيغل وأن “جدلية الأفكار ليست سوى انعكاسا لجدلية المادة”. لذلك اتخذ من مفهوم الجدلية المادية، أساسا ومنبعا لحركة التاريخ وتطور الفكر.
الجدلية المثالية عند هيجل : يعتبر هيجل الفيلسوف الاهم في المدرسة المثالية الالمانية , والفلسفة المثالية تعني : ’ ان الاشياء المادية لا تبدو كما نتعرف عليها نحن بحواسنا وانها ليست بالصورة التي نستقبلها بها عن طريق حواسنا بل لها طبيعة ذاتية لا يمكن ادراكها بخبراتنا الحسية ’ " لقد كانوا ينظرون الى الجدل على انه جزء منفصل عن المنطق وهم بذلك يسيئون فهمه .. اما نحن فنضع الجدل وضعا يختلف عنهم اتم الاختلاف .. " هيجل - المنطق الكبير - ( من المقدمة ) ان المنهج الجدلي عند هيجل هو المنطق نفسه وليس مجرد صورة طبقها هي…

مقارنة الحالة الطبيعية بين وصف جان لوك ووصف جان جاك روسو

كيف وصف كل من جان لوك وجان جاك روسو الحالة الطبيعية ..؟ عند جان لوك : بدأ جان لوك وصفه للحالة الطبيعية على انها حالة الحرية الكاملة وحالة المساواة فالانسان في هذه الحالة يتمتع بحرية مطلقة في القيام بالافعال والتصرف في الممتلكات بما يحقق مصلحته دون الحاجة لموافقة احد اضافة الى ذلك انه يتمتع المساواة التامة حيث الجميع يتمتع بحقوق مماثلة وسلطات متساوية على الاشياء .. دون ان يكون هناك خضوع او سلطة لاحد على الاخر .. ( حرية مادية ).  ايضا وتشتق الحرية الطبيعية من المساواة الطبيعية وقد عبر عن هذا بقوله : ليس هناك شيء اشد وضوحا من القول بأن مخلوقات من نفس النوع والرتبة , تنعم بكل مزايا الطبيعة نفسها وتستخدم نفس الملكات , تكون ايضا متساوية فيما بينها , دون خضوع او انقياد احدها للآخر . [  الفقرة رقم 4 : من كتابه الرسالة الثانية ]
ولكن اكد على انه وبالرغم من ان حالة الطبيعة هذه هي حالة حرية فإنها ليست حالة من الاباحية وانها تمتلك قانونا يحكمها ويلزم فيه كل شخصمن خلال قوله : لكن على الرغم من ان الحالة الطبيعية هذه هي حالة الحرية فانها ليست حالة من الاباحية , فحالة الطبيعة تمتلك قانونا للطبيعة ليحكمها وي…

مقارنة بين السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا تجاه الازمة السورية ..

مقارنة بين السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا تجاه الازمة السورية
لعبت كل من امريكا وايران دورا مهما وأساسيا في الازمة السورية , تباينت فيها السياسة الخارجية لكل من البلدين , فكل من امريكا وايران تعاملتا مع الازمة السورية من منطلقين مختلفين كل بحسب مصلحته اولا وما يريد تحقيقه من خلال ازمة البلد المنكوب بالحرب والقتال , فعمدتا اللعب على أوتار النار المشتعلة في سورية باختلاف الرؤى والتطلعات والاهداف , إلا انه في نهاية المطاف توّلد عن هذا الاختلاف تقارب وود بين السيد الامريكي  والمعمم الايراني المحتج , وتبلور عن هذا الحب المفاجئ مقدارا من التعاون والتكافل السياسي ووحدة الحال , لاهداف قريبة منها وبعيدة سندرسها في هذا البحث تباعا , بداية من الاختلاف بين السياستين وصولا الى التقارب وتحليل مايبنى عليه من رؤى مستقبلية لوضع الضحية السورية في مطابخ السياسة الدولية . كيف اختلفت السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا في التعامل مع الازمة السورية .. حسب سياسة كل بلد بما لا يضر بمصالحها ويخدم اهدافها ؟
السياسة الامريكية (الاسباب والدوافع والمصالح): تواجه الولايات المتحدة أكثر من أي وقت مضى منذ انتهاء…