أزمة أمة

أزمة أمة 

رجوى الملوحي

العربي الجديد

يقول مثل قديم: إذا أردت أن تزرع لسنة فازرع قمحاً، وإذا أردت أن تزرع لعشر سنوات فازرع شجرة، أما إذا أردت أن تزرع لمائة سنة فازرع رجالاً.
هنا يكمن الهم الأول، وهو زراعة أسس النهضة والتطور والتقدم والتنمية، عبر غراس صغيرة تنبت رجالاً، هم نواة هذه الأمة المشرذمة، وقادة النهضة الإسلامية القادمة.

طريق الكرامة والعزة والتماسك هو الإسلام، فبغيره لن نكون قوة ضاربة وفاعلة، فعندما اغتربنا عن أصولنا الحضارية، ونهجنا الإسلامي، أصبحنا أمةً أضاعت الماضي، ونسيت المستقبل بلا أمجاد، أرجوحة فارغة تتقاذفها الأيدي، يمنة وشمالاً، فزالت هيبتها، ووهن العظم منها، بعد أن كانت أمة الشموخ والقوة.

إن الرقعة العربية تلك التي تمتد على مساحة شاسعة من الأرض، وتتوسط العالم، وتنفرد بمحيطين يصلان الشرق بالغرب، والتي كانت ملتقى الحضارات ومهد التاريخ، لا تمثل منطقة نائية معزولة عن العالم، لا تؤثر ولا تتأثر فيه، فالتغافل عن وقائع التاريخ، والتعامي عن حقائق الجغرافية، أمر مستحيل.

بالتأكيد، لن تنجح أيّة قوة على مر العصور من أن تنقل محور العالم الذي يتمركز في الأراضي العربية، ولن تستطيع أن تقلل من الثقل العظيم لهذه الأمة التي كانت حبلى بالعلم والثقافة والتطور، فطرحت هذا المولود، بعد أن كانت درة للنور، واغتصبت بعد ذلك عنوة، لتحمل مولودا مشوها بالمشكلات والصراعات والجهل والتراجع. فبعد أن لجأ أعداؤنا إلى إغراق أمتنا بمتاهات الحروب، وجعلها ميداناً كبيراً لتصفية الحسابات، انتقلت الأرض العربية، ذلك البيت الكبير من كونها إمبراطورية تحكم العالم، إلى كانتونات محكومة بالقوى والنزاعات الدولية.

في هذا الزمن الرديء، بعد أن تجاهلنا الماضي، ولم نتفقه بالحاضر، وأغفلنا المستقبل، واغتربنا عن أصولنا الحضارية، وجذورنا الفكرية، ونهجنا الإسلامي القويم، وتراجعنا عن انتمائنا الأشمل، وأُغرِقنا في وحل التصنيفات العقائدية، والعصبيات الإقليمية التي كرست الانقسام أكثر، وأكدت التمزق، فأضحى تراثنا الحضاري لا يغنينا عن تسول الفتات من هنا وهناك.

"إن خير أمة أخرجت للناس شاخت جذوعها، وتآكلت أوراقها وماتت زهورها". تراكمات تاريخية عديدة كانت كفيلة بإماتة بذور رجال يقع على عاتقهم انتشال هذه الأمة من وحلها، وكانت بحاجة لزلزال عنيف، يحرك الماء الراكد في جوفنا الخانع بالاستسلام للجهل، وتسول الأفكار والنهضة المزيفة.

إننا، وحتى أيامنا هذه، لم ننجح في دفع أيّة عقبة من العقبات التي في طريقنا، أو تجاوزها، والنجاح في الخلاص منها، بل نجحنا في تعميق المشكلات وزيادتها، فأصبحنا نعيش ضمن إطار كارثة كبرى تلم بنا.

نقف، الآن، عند مفترق طريق سيودي بنا إلى حافة هاوية جديدة، إن لم نستطع تغيير مسارنا بشكل عاجل. وزلزال التغيير الذي قام بالثورات العظيمة التي تشهدها أرضنا العربية، لكسر أول طوق يعيق تقدمنا، بمعنى طوق الحكومات المستبدة التي هي أساس كل علّة زرعوها في كيان أمتنا، والتي أعمت العيون وأغفلت العقول. زلزل من تحتنا أكثر ما يزلزل من تحتهم.

إلى الآن، ننتظر مثالاً على حصاد ثماره، ولكن، للأسف، نرى أننا لا نلبث أن نقوم من حفرة، لنقع في حفرة جديدة، لأن الأصل والأساس خاطئ، فكنا كقبطان قرر أن يبحر في عرض البحر، بسفينته بلا مقوَد وخارطة، فلا أمنّا قوة الرياح، ولا غدر البحار ولا قرب الشطآن.

من يدفع عجلة التغيير هذا الشباب المتحمس الواعي لما له وما عليه، والذي يريد، وبكل قوة، أن يقول كلمته، ويحسن أحواله، ويمهد الطريق لحياة أفضل لأبنائه.

ولكن، مع ظهور نخبة من المجتمع، ممن يدعون الثقافة الزائفة التي سخروها لخدمة أهوائهم، هُمشت طبقة من المثقفين والمفكرين الأكفّاء، واقتصر المشهد على رويبضة هذا الزمن، من مدعي الفكر والسياسة والدين، فئة بعيدة عن الإخلاص، مدفوعة ومأجورة، بفعل عوامل داخلية وخارجية، زادت من الزلل والانزلاق، فغاب التوجه العقلاني، وضاعت المسؤوليات.

تريد الشعوب العربية أن تكون مفصلا حاسماً في هذا المنعطف التاريخي الحاسم، بفكر عربي أصيل، نحتاج، الآن، إلى رجل أمة، ومفكر امة، إلى صانع مجد جديد، مجد يبقى ويعمر ونتفيأ بأغصانه، وسنظل ننتظر هذا الطبيب الذي يستطيع أن يضع يده على علّاتنا ومكامن دائنا، وأن يصف العلاج الناجح لنا، والدواء الشافي لأمتنا.

http://www.alaraby.co.uk/opinion/03e040ee-81d8-4b01-91aa-f45c006817e4

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مقارنة بين الجدلية المثالية والجدلية المادية عند كل من جورج هيجل وكارل ماركس

مقارنة الحالة الطبيعية بين وصف جان لوك ووصف جان جاك روسو

مقارنة بين السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا تجاه الازمة السورية ..