التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المرأة بين مضمار السياسة وتحديات المجتمع



المرأة بين مضمار السياسة وتحديات المجتمع                                     رجوى الملوحي



بقلم: رجوى الملوحي
كرم الله المرأة وكفلت الشريعة الاسلامية حقوقها؛ فأضحت في أحضان الدين الاسلامي معززة مكرمة، لها حقوق وعليها واجبات، فأنصفها ورفع عنها الظلم والحيف وما عانته من انحطاط في العصور السابقة، وكان من أثر ذلك، الاعتراف بحقها في المشاركة في تدبير شؤون المجتمع كافة، اقتصادية واجتماعية وقانونية. وأصبح لها شأن في المجال السياسي، حيث تستشار في الأمور كلها، ويؤخذ برأيها، بل كانت تشارك جنبا إلى جنب مع أخيها الرجل في تسيير شؤون المجتمع وتدبير أموره؛ فهي رحم هذا المجتمع وقاعدته الاساسية واللبنة الأولى التي تساعد في بنائه وتقدمه .
وظلت بعد ذلك تحاول جاهدة إبراز نفسها، وتشارك بفعالية في ميادين الحياة كافة لتثبت وجودها.
وسنسلط الضوء على أبرز ما يمكن الحديث عنه في هذا الصدد، وهو دور المرأة في مجال العمل السياسي.
لقد شهد التاريخ -على الرغم من تثبيط المرأة والتقليل من أهمية دورها- مزاحمة شرسة منها لكسر تلك القيود المجتمعية التي فرضتها حواجز السيطرة الذكورية تارة، وعادات المجتمع تارة أخرى، والنظرة الدونية للمرأة تارات عدة؛ فنجحت مرة وفشلت مرات، حيث إن عالم السياسة قد شهد تطورا نسبيا ضئيلا في المشاركة النسائية، من تبوّؤ للمناصب القيادية في الدولة والدخول في الانتخابات وما إلى ذلك، ولكن إلى الآن لم تصل إلى الحد الفعلي الملموس من المشاركة، وبقيت سيطرة الرجل هي الغالبة في الدول العربية والإسلامية معظمها.
أما من الناحية الشرعية للموضوع فقد تناقضت الأقوال والتفسيرات والاجتهادات بين محرم لا يجد المرأة أهلا لاقتحام هذه الساحة المتشعبة، والخوض في هذا المضمار الوعر، وبين مؤيد وداعم لحق المرأة في أن تتزعم وتقود وتفرض نفسها وعلمها وثقافتها على الحياة السياسية، فتكون كما هي مدرسة تعد جيلا على نطاق أسرة، أن تتوسع لتسهم في صناعة أمة قوية مسلمة.
فلقد أرسى القرآن الكريم قواعد أخلاقية للحكم والمشاركة السياسية، من دون الإشارة إلى تنظيم سياسي معين، لترشد المؤمنين والمؤمنات في كل زمان ومكان في ممارسة السلطة السياسية، عبر مدونة أخلاقية تقوم بما يسمى في عصرنا الحالي “بتخليق” الحياة السياسية، وتبين آيات قرآنية عدة ضرورة ممارسة السلطة في جو يسوده العدل والإنصاف.
كما أنه لا يوجد توجيهات قرآنية، متعلقة بأشكال وطرق التمثيل السياسي أو ممارسة السلطة السياسية، تشير إلى ضرورة اقتصار الأمر على الرجال فقط أو إلى إقصاء النساء من العمل السياسي، بل على العكس من ذلك، فقد خاطبت أغلب الآيات القرآنية الجنسين بلغة مشتركة عبر خطاب مباشر موجه “للمؤمنين والمؤمنات” على حد سواء، أو بالاستعمال المتكرر لعبارات تتجاوز الجنس، من مثل “يا أيها الناس” أو “يا أيها الذين آمنوا”، وهو ما يبين بوضوح أن النداء موجه للجنسين معا على قدم المساواة، فلم يميز أحدهما عن الآخر.
وفي هذا المجال سوف نتوقف عند السيدة “عائشة” أم المؤمنين وزوجة الرسول ــ عليه الصلاة والسلام ــ ودورها بوصفها أنموذجا للزعامة السياسية..
فلقد تجلى الموقف السياسي للسيدة عائشة -رضي الله عنها- حين وقفت في صف معارضي الإمام “علي بن أبي طالب” رضي الله عنه خليفة المسلمين بعد مقتل الخليفة الثالث “عثمان بن عفان” رضي الله عنه. وكانت السيدة عائشة من أعلم النساء المؤمنات ببواطن الأمور، وكثيرا ما كانت تشارك بالرأي في علاج المشكلات التي تعرضت لها الدولة الإسلامية، واستطاعت أن تروي أكثر من ألف حديث صحيح.
ورأي الشيخ “محمد الغزالي” الذي أكد في كتابه “السنة النبوية بين أهل الفكر وأهل الحديث”، على حق المرأة في تولي القيادة، ودخولها العمل السياسي حيث يقول: يجوز أن تتولى المرأة المسلمة رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء، فمسألة ولاية المرأة للحكم ليست من اختراعي وإنما قال بها من قبل عدد من الأئمة من بينهم “ابن حزم” و”ابن جرير الطبري”، والدين الإسلامي لم يمانع في أن تكون المرأة زعيمة سياسية، وقد أباح لها الحق في تولي أمور القضاء.
وفي هذا السياق نذكر بالمرأة التي خاطبت الخليفة الأكثر عدلا وسط جمع المسلمين، وذكرته بالآية التي تحرم استرجاع المال الذي يمنح للزوجة في قوله عز وجل بخصوص مشكلة تعلقت بالصداق “وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا”، وأردفته بعبارة سجلها التاريخ قالت فيها: “كيف تمنع ما أعطانا الله تعالى؟”، حينها أدرك الخليفة العادل الذي عرف بحرصه على إقامة العدل خطأه وتراجع عن قراره قائلا أمام الملأ حوله: “أصابت امرأة وأخطأ عمر”.
إن خير دليل على نجاح المجتمعات وترقيها هو معاملة المرأة بوصفها فردا إنسانيا كامل الحقوق وكامل الملكات، ومالكا لإرادته، ومستقلا في اتخاذ قراراته، وحرا في ترجيح خياراته في ظل الإسلام الذي يكفل للمرأة كل ذلك؛ فكيف لمجتمع ينشد العدالة والديموقراطية وإعطاء كل ذي حق حقه أن يهمش نصف المجتمع ويسلخ إرادته ويلغي صوته؟! ومن سيستطيع أن يمثل مشاكل المرأة وهمومها خير من المرأة ذاتها؟
وإن ما تكتسبه المرأة من خبرات، ولاسيما إن كانت سياسية وقيادية، سينعكس حتما على المجتمع إيجابيا، وعلى براعم هذا المجتمع؛ فالمرأة هي الأم والمدرسة والمعلمة والحكيمة الأولى في المجتمعات كلها.
ولكي نصل إلى هذه المرحلة علينا بداية أن نحرص على السبل التي من خلالها نعمل على تطوير المرأة، وإخراج ملكاتها، وأفكارها، والعناية بمستقبلها، والحرص على استكمال تعليمها، وهو أول التحديات التي تعصف بالمرأة.
بعض التحديات التي تواجه المرأة في المجال السياسي:
• في معظم الدول يقتصر توزيع النساء في البرلمانات على لجان معينة “معنية بالمرأة والطفولة والأسرة والصحة والتعليم”؛ ففي أماكن كثيرة مازالت النساء يعتبرن غير قادرات على تحمل المسؤولية في مجالات تعد مخصصة للذكور، من مثل الشؤون المالية والطاقة والتنمية الاقتصادية والشؤون الخارجية والدفاع والتجارة والبنية الأساسية، ومع أن النساء يحاولن دائما كسر السقف الزجاجي يبقى صوتهن غير مسموع وإسهاماتهن مهمشة، مع أن النساء في دول العالم العربي والإسلامي يذهبن إلى الجامعات نفسها، ويتلقين الثقافة التعليمية ذاتها الموازية لما يتلقاه الرجال، ومع ذلك لا يتحقق التوزيع العادل المتوازن من حيث النوع الاجتماعي في قوائم البرلمان وأجهزة الدولة.
• نقص التربية السياسية في المجتمعات المستبدة من الحكومات السلطوية، وضعف الممارسة السياسية الحقيقية في المجتمع عامة، وعلى النساء خاصة.
• عدم توفر الاستقلال المادي الكامل لشريحة واسعة من النساء في المجتمع، والتي تعيقهن أن يموّلن حملاتهن الانتخابية على سبيل المثال، بالإضافة إلى المعوقات الاجتماعية والأسرية، وعدم استقلال قرارهن.
• عدم إدراك المرأة لأهمية العمل السياسي وأهمية بروزها بوصفها قيادية رائدة في مضمار شاسع، من مثل مضمار السياسة، وأحيانا قلة وعيها بواجبها المسؤول كامرأة ليس فقط على صعيد الأسرة بل على صعيد المجتمع ككل، ومن الممكن أن يرجع ذلك لطبيعة المجتمع وعدم إدراكه هو ذاته لأهميتها ومنحها فرصة لتكتشف ذاتها وتعبر عنها بالصورة الصحيحة.
وعلى الرغم من عصف المعوقات والصعوبات بالمرأة فإن الأمل يحدونا أن تبرز نساء كثيرات في المجال السياسي، قادرات أن يتركن بصماتهن التي لا تنسى، ويكن سواعد بناءة تسهم في دفع عجلة التغيير إلى الأفضل؛ فالمرأة مجتمع بأسره، تمثل نصفه وتنشئ النصف الآخر، تتبع النهج القويم المستمد من كتاب الله وسنة نبيه غير ضائعة ولا مضيعة.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مقارنة بين الجدلية المثالية والجدلية المادية عند كل من جورج هيجل وكارل ماركس

لقد حظيت فلسفة هيجل بتأثير بليغ على الفكر الحديث، وكان ممن تأثر بها إلى حد بعيد هو كارل ماركس الذي قلب له الأمور رأسا على عقب . إذ أن جدلية هيغل هي عبارة عن عملية أو ديناميكية تمضي وفقها جميع القضايا من الأمثل فالأمثل نحو “الفكرة المطلقة” وقد سميت “بالجدلية المثالية”. بينما رأى ماركس عكس ذلك وقال بصريح العبارة أن منهجه الجدلي هو “العكس المباشر” لمنهج هيغل وأن “جدلية الأفكار ليست سوى انعكاسا لجدلية المادة”. لذلك اتخذ من مفهوم الجدلية المادية، أساسا ومنبعا لحركة التاريخ وتطور الفكر.
الجدلية المثالية عند هيجل : يعتبر هيجل الفيلسوف الاهم في المدرسة المثالية الالمانية , والفلسفة المثالية تعني : ’ ان الاشياء المادية لا تبدو كما نتعرف عليها نحن بحواسنا وانها ليست بالصورة التي نستقبلها بها عن طريق حواسنا بل لها طبيعة ذاتية لا يمكن ادراكها بخبراتنا الحسية ’ " لقد كانوا ينظرون الى الجدل على انه جزء منفصل عن المنطق وهم بذلك يسيئون فهمه .. اما نحن فنضع الجدل وضعا يختلف عنهم اتم الاختلاف .. " هيجل - المنطق الكبير - ( من المقدمة ) ان المنهج الجدلي عند هيجل هو المنطق نفسه وليس مجرد صورة طبقها هي…

مقارنة الحالة الطبيعية بين وصف جان لوك ووصف جان جاك روسو

كيف وصف كل من جان لوك وجان جاك روسو الحالة الطبيعية ..؟ عند جان لوك : بدأ جان لوك وصفه للحالة الطبيعية على انها حالة الحرية الكاملة وحالة المساواة فالانسان في هذه الحالة يتمتع بحرية مطلقة في القيام بالافعال والتصرف في الممتلكات بما يحقق مصلحته دون الحاجة لموافقة احد اضافة الى ذلك انه يتمتع المساواة التامة حيث الجميع يتمتع بحقوق مماثلة وسلطات متساوية على الاشياء .. دون ان يكون هناك خضوع او سلطة لاحد على الاخر .. ( حرية مادية ).  ايضا وتشتق الحرية الطبيعية من المساواة الطبيعية وقد عبر عن هذا بقوله : ليس هناك شيء اشد وضوحا من القول بأن مخلوقات من نفس النوع والرتبة , تنعم بكل مزايا الطبيعة نفسها وتستخدم نفس الملكات , تكون ايضا متساوية فيما بينها , دون خضوع او انقياد احدها للآخر . [  الفقرة رقم 4 : من كتابه الرسالة الثانية ]
ولكن اكد على انه وبالرغم من ان حالة الطبيعة هذه هي حالة حرية فإنها ليست حالة من الاباحية وانها تمتلك قانونا يحكمها ويلزم فيه كل شخصمن خلال قوله : لكن على الرغم من ان الحالة الطبيعية هذه هي حالة الحرية فانها ليست حالة من الاباحية , فحالة الطبيعة تمتلك قانونا للطبيعة ليحكمها وي…

مقارنة بين السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا تجاه الازمة السورية ..

مقارنة بين السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا تجاه الازمة السورية
لعبت كل من امريكا وايران دورا مهما وأساسيا في الازمة السورية , تباينت فيها السياسة الخارجية لكل من البلدين , فكل من امريكا وايران تعاملتا مع الازمة السورية من منطلقين مختلفين كل بحسب مصلحته اولا وما يريد تحقيقه من خلال ازمة البلد المنكوب بالحرب والقتال , فعمدتا اللعب على أوتار النار المشتعلة في سورية باختلاف الرؤى والتطلعات والاهداف , إلا انه في نهاية المطاف توّلد عن هذا الاختلاف تقارب وود بين السيد الامريكي  والمعمم الايراني المحتج , وتبلور عن هذا الحب المفاجئ مقدارا من التعاون والتكافل السياسي ووحدة الحال , لاهداف قريبة منها وبعيدة سندرسها في هذا البحث تباعا , بداية من الاختلاف بين السياستين وصولا الى التقارب وتحليل مايبنى عليه من رؤى مستقبلية لوضع الضحية السورية في مطابخ السياسة الدولية . كيف اختلفت السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا في التعامل مع الازمة السورية .. حسب سياسة كل بلد بما لا يضر بمصالحها ويخدم اهدافها ؟
السياسة الامريكية (الاسباب والدوافع والمصالح): تواجه الولايات المتحدة أكثر من أي وقت مضى منذ انتهاء…