مقارنة بين الجدلية المثالية والجدلية المادية عند كل من جورج هيجل وكارل ماركس



لقد حظيت فلسفة هيجل بتأثير بليغ على الفكر الحديث، وكان ممن تأثر بها إلى حد بعيد هو كارل ماركس الذي قلب له الأمور رأسا على عقب .
إذ أن جدلية هيغل هي عبارة عن عملية أو ديناميكية تمضي وفقها جميع القضايا من الأمثل فالأمثل نحو “الفكرة المطلقة” وقد سميت “بالجدلية المثالية”. بينما رأى ماركس عكس ذلك وقال بصريح العبارة أن منهجه الجدلي هو “العكس المباشر” لمنهج هيغل وأن “جدلية الأفكار ليست سوى انعكاسا لجدلية المادة”. لذلك اتخذ من مفهوم الجدلية المادية، أساسا ومنبعا لحركة التاريخ وتطور الفكر.

الجدلية المثالية عند هيجل :
يعتبر هيجل الفيلسوف الاهم في المدرسة المثالية الالمانية , والفلسفة المثالية تعني : ’ ان الاشياء المادية لا تبدو كما نتعرف عليها نحن بحواسنا وانها ليست بالصورة التي نستقبلها بها عن طريق حواسنا بل لها طبيعة ذاتية لا يمكن ادراكها بخبراتنا الحسية ’
" لقد كانوا ينظرون الى الجدل على انه جزء منفصل عن المنطق وهم بذلك يسيئون فهمه .. اما نحن فنضع الجدل وضعا يختلف عنهم اتم الاختلاف .. "
هيجل - المنطق الكبير - ( من المقدمة )
ان المنهج الجدلي عند هيجل هو المنطق نفسه وليس مجرد صورة طبقها هيجل في المنطق .. كما طبقها في جوانب اخرى من فلسفته  ..
تنقسم فلسفة هيجل الى ثلاثة اقسام رئيسية
-         المنطق او علم الفكرة الشاملة في ذاتها ولذاتها
-         فلسفة الطبيعة او علم الفكرة الشاملة في الاخر
-         فلسفة الروح او علم الفكرة الشاملة وقد عادت من الاخر الى نفسها

وهذه الاقسام الثلاثة لا تدرس الى موضوعا واحدا هو الفكرة الشاملة Begriff -   في مراحلها المختلفة او العقل في صورة المتنوعة : العقل محضا في المنطق والعقل في حالة تخارج مع فلسفة الطبيعة والعقل حين يعود الى نفسه .
وفي فلسفة الروح فهي في القسم الاول تدرس الفكر الخالص او الفكر في ذاته ولذاته فيكون المنطق هو علم الفكرة الخالصة او هو علم الفكرة الشاملة في وسطها الفكري الخالص
وفي القسم الثاني تدرس الفكر حين ينتقل الى الاخر اي نقيضه او حين يخرج من عالمه الخالص الى عالم اخر غير ذاته من الفكر الخالص الى المادة الصلبة فالفلسفة الشاملة في فلسفة الطبيعة تضييع نفسها في تخارج وتسلخ نفسها من وجودها المناسب .
اما في القسم الثالث تدرس هذا الفكر نفسه حين يعود من الاخر الى ذاته اي الى حياته الروحية متحررا من العبودية الطبيعية .
هذه الاقسام الثلاثة يقول عنها هيجل :
" ان هذه الجوانب ليست الا تحديات لفكرة واحدة او لنسق العقل الذي يفض نفسه في صور مختلفة .. " .. " ففي كل جانب من هذه الجوانب الثلاثة لا نجد الا الفكرة الفلسفية في وسط خاص واذا كان موضوع المنطق هو العقل الخالص فان ذلك يعني انه عقل مجرد اي انه لا يوجد وجودا فعليا في العالم فهو لم يظهر بعد ثم يبدا هذا العقل المجرد في التحول الى ضده اي الى لا عقل وهذا اللاعقل هو التخارج الصلب في الطبيعة اما في فلسفة الروح فهو يعود الى نفسه ولكنه لا يعود مجردا او خالصا كما كان في الماضي بل انه يعود على شكل العقل العيني الحي الذي يوجد وجودا فعليا في العالم .. ومعنى ذلك ان هذه المرحلة الثالثة تجمع بين المرحلتين السابقتين في مركب واحد .. فالانسان - من ناحية - جزء من الطبيعة فهو حيوان وهو وجود مادي خارجي يخضع لسيطرة قوانين الطبيعة وهو من ناحية اخرى وجود روحي او كائن حي عاقل له عالم روحي واسع ."

موضوع فلسفة هيجل اذا هو العقل في صوره المختلفة فما النهج الذي تسير عليه هذه الفلسفة في دراستها لهذا الموضوع وما العلم الذي يختص بعرض هذا المنهج ؟

ان المنهج الذي تسير عليه هذه الفلسفة هو المنهج الفلسفي فهو منهج تحليلي وتاليفي في ان واحد وهذا المنهج الفلسفي هو المنهج الجدلي الذي يسمى كذلك بالمنهج المطلق . وتعريجا على السؤال الثاني فان العلم الذي يختص بعرض هذا المنهج هو علم المنطق ولكن لكي نعلم كيف وصل هيجل على فلسفته الجدلية المثالية علينا ان نعرض الزاوية الجديدة التي نظر منها هيجل الى هذا العلم وهي تخالف المفهوم الشائع للمنطق .. لنصل الى فهم الجدلية المثالية عند هيجل .
يدور مذهب هيجل حول اعتقاده انه اكتشف طبيعة الفكر وخالف كل المناطقة منذ ارسطو وحتى عصره في فهم طبيعة الفكر .. الذين راحوا الى انه لا يدرس الا الاشكال والصور وحدها بينما يستمد محتواه من غيره .. وعلل ان من العبث ان نقول ان المنطق خلو من كل مضمون وانه يزودنا بقواعد الفكر فحسب دون ان يذهب الى دراسة ماهية الفكر نفسه او ان يكون قادرا على البحث في طبيعة هذا الفكر ذاته ومعنى ذلك ان هيجل ينظر الى المنطق نظرة جديدة فهو عنده لا يدرس صور الفكر وقواعده فحسب وانما يدرس مادته ايضا ومادة المنطق في راية هي الفكر وبالتالي فالمنطق هو دراسة لطبيعة الفكر الخالص او هو دراسة للحياة الباطنية للعقل فعلم المنطق ينبغي ان ينظر اليه على انه نسق العقل الخالص او ملكوت الفكر الخالص وهذا الملكون هو الحقيقة كما هي بلا قناع في ذاتها ولذاتها ويمكن للمرء ان يعبر ع ذلك بقوله ان مضمون المنطق بعرض لنا الله في ماهيته الازلية قبل ان يخلق الطبيعة والروح .
انتهى هيجل ان الفكر جدلي الطابع وانه يسير على ايقاع ثلاثي من ايجاب الى سلب الى تاليف بينهما تلك هي ماهية الفكر وطبيعة الروح , " فمن طبيعة الروح ان تنقسم على نفسها ولكنها تعود بنشاطها الخالص فتشق لنفسها طريقا جديدا لكي تتوافق مرة اخرى ومن ثم يكون الاتفاق النهائي اتفاقا روحيا اعني ان مبدا العودة انما يكون في الفكر وفي الفكر وحده فاليد التي احدثت الجرح هي نفسها التي تداويه "
اننا اذا قلنا ان المنهج الجدلي منهج يسير على ايقاع ثلاثي او انه سلسلة طويلة من المثلثات التي تسير من تلقاء ذاتها سيرا ضروريا وان الحد الاول في اي مثلث يكون دائما مباشرا والحد الثاني متوسطا والحد الثالث هو جمع وتاليف بينهما او هو المباشر الذي يكمن التوسط في جوفه فان هذه كلها خطوات رئيسية في المنطق والذي يصل بالنهاية الى اكتشاف روح العالم .
واقسام المنطق تمثل هذه الخصائص
-         دائرة الوجود هي دائرة المباشر فالموجود هو دائما شيء مباشر
-         دائرة الماهية هي دائرة التوسط فانت لا تستطيع ان تصل الى  الماهية الا من خلال الاخر اي من خلال الوجود
-         دائرة الفكرة الشاملة هي المركب منهما اي المباشرة التي يكمن في جوفها التوسط فالفكر هو المباشر الذي يتضمن التوسط في داخله .

الجدلية المادية عند ماركس :

تقدم الماركسية نفسها بوصفها تفسيرا شاملا للحياة الانسانية وليس للحياة الانسانية فحسب بل للطبيعة ايضا فهي تقدم تفسيرا لحاضر الانسان وماضيه ومستقبله مستنبطة تعاليمها من المقدمة التي تذهب الى ان تفسيرا كاملا ونهائيا للاشياء مستحيل الا بوصفه تفسيرا لانتقال الاشياء او تفقها المتواصل .
يؤكد ماركس ان دراسة الانسان يجب ان تهتم بالناس الحقيقيين او الواقعيين ولا تهتم بالناس من حيث ان متخيلون او الذين نتمنى ان يكونوا او يعتقد انهم كذا ..
ويعني ماركس بذلك ان اساس العلم الاجتماعي ليس فكرة عن خير انساني نتمناه او بناء من جديد لانسان طبيعي في حالته الاولى وانما هو بالاحرى انسان تجريبي من حيث ان اي شخص يستطيع ان يلاحظه في اي وقت والانسان التجريبي هو اساسا كائن حي يستهلك الطعام والملبس والماؤى ... الخ .. ومجبر ان يجد او ينتج هذه الاشياء وربما عاش الناس في وقت ما عن طريق استخدام المواد التي وجودها ببساطة ولكن الزيادة في السكان في وقت ما اجبرتهم على ان ينتجوا حاجاتهم الضرورية ويصبحوا بالتالي مميزين عن الحيوانات ان العلامة الوحيدة للبشرية هي الانتاج الواعي وليس العقلانية او الحياة السياسية او قوة الضحك كما يرى البعض .
جزء مهم من النزعة المادية التاريخية عبر عنه ماركس بقوله :
" يدخل الناس خلال الانتاج الاجتماعي لوجودهم في علاقات معينة ضرورية مستقلة عن ارادتهم وهي علاقات انتاجية تمثل درجة معينة من نمو قواتهم المادية . "
ولقد راى ماركس ان الصراع الطبقي هو المحرك الحقيقي لحركة التاريخ وراى ان المجتمع كوحدة انتاجية ينقسم بين الطبقة التي تملك ادوات الانتاج وتلك التي تستخدمها ولا تملكها ولان علاقة الانتاج بين هاتين الطبقتين هي علاقة استغلالية فان الصراع ينشا بينهما .
وفي مرحلة معينة من التطور في ادوات الانتاج  ينشا تغير في طبيعة علاقات الانتاج فينشا توتر في البنى الفوقية وحينها تستخدم الطبقة المالكة لادوات الانتاج جميع الوسائل لمنع القوى الصاعدة من تغير علاقات الانتاج  مما يجعل الثورة امر محتوم لكي تحدث تغيرات جذرية في البنى الفوقية بما يتوافق مع علاقات الانتاج الجديدة .


مقارنة بين النزعتين المادية والجدلية عند هيجل وماركس :

-        تقوم النزعة المادية الفلسفية عند ماركس على عكس النزعة المثالية التي تعتبر العالم تجسيدا للفكرة المطلقة والروح الشامل والوعي على المبدا القائل بان العالم بطبيعته مادي وان مختلف ظواهر الكون انما هي جوانب مختلفة للمادة في حركتها وان العلاقات والشروط بين الظواهر التي يكشف عنها المنهج الجدلي هي القوانين الضرورية لنمو المادة المتحركة وان العالم ينمو حسب قوانين حركة المادة وهو ليس بحاجة لاي روح شامل .

-        ان مسالة علاقة المادية بالحركة مسالة خطيرة في تحديد كل من النزعة المثالية والنزعة المادية .. ذلك لان النزعة المثالية تعتقد ان الحركة والنشاط والقدرة الخلاقة انما هي من ميزات الروح فقط وهي ترى ان المادة عبارة عن كتلة جامدة سلبية لا صورة لها وهي بحاجة لميسم الروح الذي يحييها كي تتخذ صورة معينة وهكذا ترى النزعة المثالية ان المادة لا يمكن ان تنتج اي شيء بنفسها فاذا ما اخذت تتحرك فان ذلك بفضل الله او الروح .

-        تعتقد النزعة المثالية ان المادة سلبية جامدة لهذا وجب ان تلتقي حركتها عن الروح
-        تعتقد النزعة المثالية ان المادة لا تملك بنفسها اية ضرورة طبيعية او اية وحدة لهذا وجب ان يقوم روح اخر بالمحافظة على قوانين المادة
-        تعتقد النزعة المثالية ان المادة لا تمر بتطور تاريخي في نموها للعالم اذا بداية كما ستكون له نهاية لهذا وجب ان يكون قد خلق على يد كائن ابدي
-        اما النزعة المادية فان نظرتها الى المادة ونموها الداخلي الضروري يؤدي بها الى النظرية القائلة بخلود الكون ولا نهائيته في تحوله المستمر والقول بان المادة لا تفنى وليست مخلوقة . "
-        تعتمد النزعة المادية الفلسفية الماركسية على المبدا القائل بان المادة والطبيعة والكينونة هي وقائع مادية موجودة خارج الوعي ومستقلة عنه وهي بذلك تعارض النزعة المثالية التي تؤكد بان الوعي وحده موجود حقا وان العالم المادي والكينونة والطبيعة لا توجد الا في وعينا وفي احاسيسنا وتصوراتنا .

ولقد عبر كارل ماركس عن هذا بقوله : " ان الجدلية لدي لا تختلف عن هيجل فقط بل هي عكسها تماما فان كان العالم عند هيجل يعتبر انعكاسا ظاهريا لما اسماه الفكرة فان الافكار عندي ماهي الا انعكاس للعالم المادي وترجمة له يقوم بها العقل البشري . "

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مقارنة الحالة الطبيعية بين وصف جان لوك ووصف جان جاك روسو

مقارنة بين السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا تجاه الازمة السورية ..