مقارنة الحالة الطبيعية بين وصف جان لوك ووصف جان جاك روسو



كيف وصف كل من جان لوك وجان جاك روسو الحالة الطبيعية ..؟
عند جان لوك :
بدأ جان لوك وصفه للحالة الطبيعية على انها حالة الحرية الكاملة وحالة المساواة فالانسان في هذه الحالة يتمتع بحرية مطلقة في القيام بالافعال والتصرف في الممتلكات بما يحقق مصلحته دون الحاجة لموافقة احد اضافة الى ذلك انه يتمتع المساواة التامة حيث الجميع يتمتع بحقوق مماثلة وسلطات متساوية على الاشياء .. دون ان يكون هناك خضوع او سلطة لاحد على الاخر .. ( حرية مادية ).
 ايضا وتشتق الحرية الطبيعية من المساواة الطبيعية وقد عبر عن هذا بقوله :
ليس هناك شيء اشد وضوحا من القول بأن مخلوقات من نفس النوع والرتبة , تنعم بكل مزايا الطبيعة نفسها وتستخدم نفس الملكات , تكون ايضا متساوية فيما بينها , دون خضوع او انقياد احدها للآخر .
[  الفقرة رقم 4 : من كتابه الرسالة الثانية ] 

ولكن اكد على انه وبالرغم من ان حالة الطبيعة هذه هي حالة حرية فإنها ليست حالة من الاباحية وانها تمتلك قانونا يحكمها ويلزم فيه كل شخص من خلال قوله :
لكن على الرغم من ان الحالة الطبيعية هذه هي حالة الحرية فانها ليست حالة من الاباحية , فحالة الطبيعة تمتلك قانونا للطبيعة ليحكمها ويلزم كل شخص .  
[الفقرة رقم 6 : من كتابه الرسالة الثانية]

ويسمى هذا القانون , قانون الطبيعة واساسه المنطق عند الانسان الذي يرشده ويحكمه فلوك راى ان الانسان عاقل يرشده المنطق واخلاقي بطبعه ونفى ان يكون الانسان مثله مثل الحيوانات التي مييز الانسان عنها بالعقل والمنطق .. لذلك فان الحالة الطبيعية كان يحكمها قانون الطبيعة الذي هو كما عبر عنه لوك " بما اننا جميعا متساوون ومستقلون فانه لا يجوز لاي احد ان يضر الاخر في حياته .. حريته .. ممتلكاته "
ويعلم العقل الذي يكون هو القانون , كل البشر اذا استشاروه انهم لما كانو جميعا متساوين ومستقلين فإنه لا ينبغي ان يوقع منهم ضرراً بالاخر في حياته او صحته او حريته او ممتلكاته ولما كنا مزودين بملكات متماثلة ونشارك كلنا في مجتمع واحد للطبيعة فانه لا يمكن افتراض اي خضوع بيننا قد يجعل بيننا قد يجعل لنا السلطة لان يحطم بعضنا بعضا كما لو كنا قد خلقنا من اجل مآرب الاخرين مثل الحيوانات الدنيا التي خلقت من اجلنا
[الفقرة رقم 6 : من كتابه الرسالة الثانية]

واضاف ايضا بانه يجب الا تفهم الحرية الطبيعية للانسان على انها تعني ان الناس لا يردعهم اي قانون وعلل ذلك بقوله :
في كل حالات الكائنات المخلوقة التي لديها القدرة على الاخذ بالقانون تنعدم الحرية اذا انعدمت القوانين .

 [الفقرة رقم 57 : من كتابه الرسالة الثانية]



وقوله :
ان الحرية الطبيعية للانسان ليست سوى ان يمتلك قانون الطبيعة لحكمه اي ان لا يكون تحت اي رادع اخر سوى قانون الطبيعة .

[الفقرة رقم 22 : من كتابه الرسالة الثانية]
وفي هذه الحالة الطبيعية عندما يحدث اي تجاوز او خرق للقانون الطبيعي فان الطبيعة وضعت في يد كل انسان الحق في توقيع الجزاء ومعاقبة المتجاوز الى المدى الذي يمنعه او يرده عن هذا التجاوز.
ونفى لوك ان تتسبب هذه الحرية والمساواة كما راى هوبز بالصراع بين الناس والحروب فانه لم يساوي بين حالة الحرية وحالة الحرب ويقول بدلا من ذلك :
" ان الاختلاف الواضح بين حالة الطبيعة وحالة الحرب اللتين خلط بينهما .. مع ذلك بعض الناس اختلاف بعيد للغاية مثل الاختلاف بين حالة السلام والارادة الخيرة والمساعدة المتبادلة والمحافظة وبين حالة العداوة والحقد والعنف والتحطيم المتبادل فهما بعيدتان عن بعضهما البعض الاخر "
[الفقرة رقم 19 : من كتابه الرسالة الثانية]

ان حالة الطبيعة عند لوك اكثر شمولا من وصف لحالة الانسان التي تسبق ظهور المجتمع المدني .. انها صورة معينة من العلاقة البشرية لان وجودها عندما توجد يكون دون الاشارة الى درجة الخبرة السياسية للناس فيها وقد توجد في اي وقت من تاريخ البشرية حتى في وقتنا الحاضر .
" فحيثما يكون هناك عدد من الناس ومع ذلك يرتبط بعضهم ببعض وليست لديهم سلطة حاسمة يلجئون اليها فانهم لا يزالون في حالة الطبيعة " ( الفقرة 89 : كتاب الرسالة الثانية )
وان نقيض الحالة الطبيعة كما في راي لوك هو حالة المجتمع المدني وهي حالة من الناس يعيشون مع بعضهم مع وجود رئيس عام على الارض ذي سلطة للحكم بينهم .
وبالرغم من مميزات الحالة الطبيعة عند لوك .. فانه كانت هناك ثلاث مشكلات اساسية شابت هذه الحالة :
- غياب القوانين الموضوعية التي تصبح محل رضى من الجميع فالبرغم من ان المنطق يكون واضحا الا ان انحياز الانسان قد تعميه عن رؤية موحدة للقانون الطبيعي.
- غياب القضاة المحايدين الذين يحكمون النزاعات بشكل متجرد عن الاهواء
- غياب الطرف القادر على تنفيذ الاحكام فالطرف المجني عليه ليس بالضرورة دوما قادرا على الانتصار من المذنب وتطبيق احكام القانون .

الحالة الطبيعية عند جان جاك روسو :
لقد كان لروسو  منحى اخر في وصف الحالة الطبيعية عند الانسان  يخالف سابقيه من الفلاسفة في رؤيتهم .. فلا بد ان يتجرد من كل الصفات التي ترتبط بالحياة في مجتمع ان كان يجب علينا ان نفهمه من حيث هو كذلك في الطبيعة .. والصفة الاولى والاكثر اهميه من هذه الصفات هي العقل.. ولهذا  لقد راح روسو في وصفه للانسان في الحالة الطبيعية وهي حالة ماقبل نشوء المجتمع المدني .. الى انه يعيش حياته اقرب الى حياة الحيوانات .. فهو يتجول في الغابات بحثا عن الغذاء ويحاول ان يحافظ على وجوده ولكنه ليس حيوانا شرها ولا عدوانيا بطبيعته .. ولقد قال بان هذا الانسان الحيواني الاول لم يمتلك الا الحاجات البسيطة من النوع الذي يتم اشباعه بسهولة دائما .. انه لا يستطيع ان يفكر في المستقبل ولا يخشى الموت .. لانه لا يستطيع ان يتصوره .. انه لا يتجنب الى الالم فقط .. وليست لديه الحاجة الى ان يحارب اقرانه الا عندما تكون هناك ندرة في الحاجات الاساسية الضرورية وهو عاطل بطبيعته ولا يتحرك الا لكي يشبع رغباته الطبيعية .. ولا يكون لديه في هذه الحالة سوى عاطفتين اساسيتين هما : "  الرغبة في الحفاظ على نفسه وشفقة معينة او تعاطف مع معاناة الاخرين من نوعه وهذا الشعور هو مصدر كل الفضائل وتمنعه الشفقة في ان يكون حيوانيا مع الاشخاص الاخرين عندما لا تتناقض هذه الانسانية مع بقائه الخاص .. ليست لديه فضائل ولا يحتاج الى اي فضيلة ولا نستطيع ان نقول ان لديه اخلاقية لان مايفعله يفعله لانه يروق له ان يفعله غير انه يمتلك خيرا معينا فهو لا يؤذي ولا يضر . والافراد في الحالة الطبيعية عند روسو ليس لديهم اي اتصال بعضهم ببعض ولا يستطيع ان يستمد من حالة الانسان الطبيعية حق شخص ما في ان يحكم الاخر ولا يستطيع شخص ما ان يستعبد الاخر في حالة الطبيعة لان الناس لا يحتاج بعضهم الى بعض بل كل يعيش في حالة منفردة عن الاخر .. 
اما المنطق فقد نشا بعد ذلك نتيجة اتصال الانسان بالاخرين وظهور نزعة الانانية وهو ما اضعف الشعور بالشفقة .
وثمة خاصيتان تمييزان الانسان عن الحيوانات الاخرى .. الخاصية الاولى هي حرية الارادة فالانسان ليس موجودا تحدده غرائزه اذ انه يستطيع ان يختار ويقبل ويرفض وانه يستطيع ان يتحدى الطبيعة والوعي بحريته دليل على روحانية نفسه انه على وعي بقوته الخاصة
والخاصية الثانية وهي الخاصية التي يمكن الشك فيها على الاقل فهي كماله .. فالانسان هو الكائن الوحيد القادر على تطوير ملكاته بالتدريج وينقل هذا التطوير الى النوع كله .

نقاط المقارنة بين الانسان في الحالة الطبيعية عن جان لوك والانسان في الحالة الطبيعية عن جان جاك روسو :

الحالة الطبيعية للانسان عند روسو راحت لوصف الانسان على انه يعيش حياة اشبه الى حياة الحيوانات ويتميز بانه لا يمتلك  في الغالب طبيعة على الاطلاق فليست هناك غاية نهائية ولكن هناك امكانات فقط لا يمتلك الانسان تحديدا لانه حيوان ويقوده هذا التكوين بعيدا من قناعته الاصلية الى بؤس الحياة المدنية بيد ان يجعله قادرا على ان يسيطر على نفسه وعلى الطبيعة ايضا .. ان الانسان الطبيعي ومن ثم حيوان كسول يستمتع بعاطفة وجوده الخاص ويهتم ببقائه ويشفق على متاعب اقرانه وهو حر وكامل وحركته نحو الدولة المتحضرة نتيجة اعراض لا يمكن التنبؤ بها وتترك عليه علامات لا يمكن ان تتغير .
ويعيش الانسان في الحالة الطبيعية منفردا لا تجمعه اي صلات مع اقرانه من الناس ولا يمتلك المنطق لعدم احتكاكه واتصاله مع الانسان .

اما جان لوك فقد نظر الى الانسان بصورة مغايرة تماما عن نظرة روسو .. فقد وصف الانسان بانه انسان عاقل راشد يعيش مع اقرانه ويتعاون معهم بود وسلام ويستمتعون معا بالحرية والمساواة في مناخ من السلام والعدالة والارادة الخيرة في ظل قانون يلزم كل شخص   وهو قانون الطبيعة المنبثق عن المنطق و العقل الذي اعتبره لوك موجود في الانسان بطبعه ونفى ان يكون الانسان مثله مثل الحيوانات التي مييز الانسان عنها بالعقل والمنطق ..



المصادر :
تاريخ الفلسفة السياسية – الجزء الثاني
ليو شتراوس – جوزيف كروبسي 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مقارنة بين الجدلية المثالية والجدلية المادية عند كل من جورج هيجل وكارل ماركس

مقارنة بين السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا تجاه الازمة السورية ..