( حمص ) بين المجزرة والمحرقة .. أسطورة صمود

( حمص ) بين المجزرة والمحرقة .. أسطورة صمود

رجوى الملوحي                                                              





ليست كما حكاية "سندريلا" المنسوجة من خيوط الأحلام , إنها أسطورة بعينها , خيوطها من دماء منسوجة بدمع العيون , ربما كان القاسم المشترك الوحيد هو عقارب الساعة ففي الحالتين دقت أجراس منتصف الليل معلنة بداية رحلة جديدة .
"هي حكاية ابنة الوليد اسطورة الحرية والصمود. "
بين المجزرة والمحرقة , ثلاث سنوات عجاف مضت , منذ أن قرر الحماصنة كسر حاجز الصمت وتجاوز المحظور ,  بتلبية نداء الحرية بأول وأكبر اعتصام شهدته المدن السورية الثائرة في ساحة الساعة الجديدة أو ساحة الحرية كما سميت لاحقا .


لم تكن عقارب ساعة حمص قد تجاوزت منتصف الليل بقليل عندما ضرجت ساحتها بدماء أبنائها بعد أن قرر نظام الإجرام مجابهة أمواج جارفة من السيل البشري الذي أقض مضاجعهم وأوجف قلوبهم , بآلة قتله وإجرامه التي لم تعد تخفى على أحد .
إعتصام الحرية في حمص لم يكن إعتصاماً فحسب , بل قسماً وعهداً أمام الله على المضيّ بدرب الحرية مهما كان الثمن غالياً .
هذا الثمن الذي دفعه أهل حمص ومازالوا يدفعونه تصديقا لعهدهم ووفاء لعديتهم .
18/4/2011 تاريخ فاصل وحاسم من عمر حمص وأبنائها , وجزء لا يتجزء من ذاكرتهم .. شاركت فيه حمص بأسرها وكانت يداً واحدةً أحراراً وحرائر علت أصواتهم بالتكبيرات والهتافات عنان السماء .
وبحسب رواية أحد الشهود أنه "عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل تقريباً، فتح المئات من عناصر الأمن والشرطة، المتمركزين عند نادي الضباط، النار على المعتصمين بشكل هيستيري، فسقط عشرات المعتصمين بين شهيد وجريح، فيما حاول الآخرون الفرار بكل الاتجاهات، ليطالهم كذلك رصاص قناصة قوات الأمن المنتشرين على المباني المرتفعة". ساعتان متواصلتان من إطلاق الرصاص في كل الاتجاهات، حتى لم يبقَ في ساحة الساعة وشارع الدبلان شيء إلا تحطّم، وفُضّ الاعتصام وأخليت الساحة من المعتصمين، بينما دخل عناصر الأمن و"الشبيحة" للرقص على أشلاء الناس ودمائهم .
ولو أردنا التطرق الى حصيلة الضحايا من شهداء صرخة الحرية الوليدة حينها يصعب علينا إحصاء العدد الدقيق حيث أن وبحسب روايات الناجين من المجزرة أنه وبعد التوقف عن إطلاق النار ومع بزوغ ساعات الفجر الأولى تعالت أصوات سيارات الإطفاء لتغسل دماء الشهداء ، بينما كانت قوات الأمن قد رفعت الجثث بـ "الجرافات" ، ووضعتها بشاحنات لتدفنها في مقابر جماعية في حين ان بعض الجرحى ادخلوا الى "برادات" المستشفى  العسكري احياء ليلقوا حتفهم تجمداً , فتراوح عدد الشهداء من الـ 200 - 500 شهيد .

توالت على هذا التاريخ أيام أمر من العلقم باضعاف مضاعفة , كانت بصمة للألم ذاقت فيها "المدينة المنكوبة " ويلات لا تخطر على بال بشر ولم تزل صامدة , وعادت ذكرى المجزرة علينا هذه السنة في ظل هجمة بربرية هي الأعنف والأقوى لكسر شوكة أبطال " حمص المحاصرة "منذ أكثر من عام ونصف وإحكام السيطرة على المدينة تمهيدا لمخططات يسعى النظام لتنفيذها ليس آخرها تقسيم "سوريا" وتفتيت أراضيها بمباركة دولية وصمت وتخاذل أهل الارض جميعا عامة ومن يدعون حمل الثورة على اكتافهم خاصة .
مرت الأيام وتغيير كل شيء وزادت جرعات الوجع , حتى تلك الساحة التي تغنت بهتافات الحرية أصبحت مهجورة محطمة , يلفها الموت والأرواح الطاهرة ,  تستذكر وجوه من مروا يوماً وحفظت أرضها دعسات أقدامهم ورسمت سماءها تفاصيل وجوهم , وخبأت في قلبها أصواتهم التي كانت تعج بصخب الحياة .
لو تساءلنا ماذا تبقى من حمص ؟ لم يتبق منها سوى بطولة وعزة وصمود وإباء لا يموت ولن يموت , وأبطال نادتهم الجنة فلبّوا النداء , ليذودوا عن العدية حتى الرمق الاخير .
فمتى يعود صوت الحياة في حمص ليعلو على ضجيج الموت ومتى تدق ساعتها من جديد معلنة الانتصار  ؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مقارنة بين الجدلية المثالية والجدلية المادية عند كل من جورج هيجل وكارل ماركس

مقارنة الحالة الطبيعية بين وصف جان لوك ووصف جان جاك روسو

مقارنة بين السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا تجاه الازمة السورية ..