التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أطباء الثورة السورية , ضحايا حرب دامية بين رفعة الانسانية و مضمار الموت والنار

رجوى الملوحي

أطباء أوفياء ,, بلغوا بإنسانيتهم منارة العلياء
أطباء الثورة السورية , ضحايا حرب دامية بين رفعة الانسانية و مضمار الموت والنار

على قدر وفائهم كانت معاناتهم ,, الأيادي الحنونة التي ربتت على جروح السوريين وداوت آلامهم ,, فأبى اطباء الثورة السورية المباركة بقلوبهم المؤمنة وإنسانيتهم النابعة من عقيدة راسخة وضمير عاش حيا إلا أن يكونوا جزءا من مشاريع الشهادة فوق تراب أرض سورية الجريحة  .
منذ صرخة الحرية الأولى كانت الثورة السورية المباركة لزاما على كل فرد فيها صغير وكبير , كلٌ في مجاله بما يستطيع أن يخدم فيه هذه المرحلة الحرجة من عمر الربيع السوري الذي تحول  الى خريف تبعه شتاء عاصف بالدماء والاوجاع .
ولأن مهنة الطب هي من أسمى مهن الإنسانية وأشدها مسؤولية كان لاطباء الثورة السورية الدور والمهمة الاكبر التي حملت معها شتى انواع الصعوبات والمآسي والآلام .
ولشدة قتامة الوضع السوري يعاني الاطباء العاملون في سورية تحت وطأة القتال ونار الحرب من صعوبات مخيفة ومرعبة .. تعيقهم وبشكل كبير من تأدية واجبهم الوظيفي النبيل وتترك آثار وتشوهات مريعة في انفسهم وذاكرتهم لقسوتها وهولها .. بدءاً بالجروح الصغيرة الى الغائرة انتهاءً بالاشلاء مرورا بمواقف العجز عندما يشاهد الطبيب مصاباً امامه يلفظ انفاسه الاخيرة وعيناه تحدق به فيقف مكتوف الايدي يقلب كفيه حائرا عاجزا عن اسعافه ..
.
الصعوبات التي واجهت اطباء الثورة السورية :
كانت العقبات التي تقف في وجه الاطباء والمسعفين ومتطوعي الهلال الاحمر تتركز في صعوبة الوصول الى أماكن التظاهرات وإسعاف الجرحى المصابين جراء الغازات أو الرصاص الحي وعدم إمكانية نقلهم الى المستشفيات الحكومية او الخاصة التي تخضع بكاملها الى سيطرة قوات النظام وشبيحته إذ يتعرض الجريح ان لم يقتل على ايدي الشبيحة من الممرضين والاطباء الى الاعتقال من قبل قوات الامن والاهانة والاستجواب وهو رهن اصابته .. وبالتاكيد فإن الخطر على الاطباء كان كبيراً إذ أنهم معرضون وبشكل مباشر للاستهداف او الاعتقال لنظرة النظام إلى الأطباء الذين يعالجون الجرحى كعدو , مما ألجأ الاطباء الى العمل بشكل سري .. لتفادي الاخطار المحدقة بهم .
وكان خيار افتتاح المشافي الميدانية .. التي لا تتعدى كونها قبواً او شقة سكنية واحيانا خيمة لا يتوفر فيها إلا الشحيح من الادوات الطبية ومستلزمات الاسعافات الاولية وفي كثير من الاحيان لا تتوفر فيها ايّ من مؤهلات العلاج  بسبب الحصار الخانق الذي فرض لاحقا وقلة المال  فيعمل الاطباء في داخلها وهم يواجهون اصعب التحديات في أحلك الظروف وبأفقر الموارد مما اضطر الاطباء الى علاج مصابيهم بطرق تقليدية فاستخدموا النار للتعقيم .. والسكاكين وخيوط الملابس لاجراء العمليات الجراحية .. والشموع لمداواة جرحاهم على ضوئها بسبب انقطاع التيار الكهربائي وغيرها الكثير .. وتلك المشافي ايضا لم تسلم من آلة الحرب بالاستهداف والقصف العنيف او اقتحامها من قبل قوات النظام وشبيحته وقتل كل من فيها من اطباء وجرحى ومسعفين فمثلاً استهدف القصف مشفى حمدان في دوما, ومشفى القدس في حي السكري في حلب, ومشفى الزوز في حي المشهد في حلب, والمشفى الميداني في بابا عمرو, والمشفى الميداني في سلقين, والمشفى الميداني في قرية أبل جنوب حمص..
إن أطباء الثورة السورية كانوا يدركون أن أيا من مصابيهم قد يكون المصاب الاخير فهم والمشفى الميداني المؤقت الذي اسسوه قد ينالهم القصف أو الاقتحام في أية لحظة ولكن الخوف من الموت لن يوقفهم، فالعهد الذي أخذوه على أنفسهم كأطباء سيبقيهم معالجين للمصابين بسرية تامة وموارد شحيحة.
وقد عدّت هذه المشافي الميدانية نظام صحيا بديلا لمشافي النظام الحكومية .. وكان من نتائجها ان قام الاطباء بتنظيم انفسهم وانشاء تنسيقيات طبية بهم تدير عيادات أو مشافي ميدانية سرّية ,نذكر منها :
 أسس الطبيب إبراهيم عثمان مع زملاء له تنسيقية أطباء دمشق التي نشرت بيانها الأول في 6 حزيران 2011 , و كذلك تم إنشاء تنسيقية أطباء حمص قبلها في 10-3- 2011, و بعد ذلك تأسست العديد من المؤسسات والتجمعات الطبية البديلة لمؤسسات النظام كالمكتب الثوري الموحد في الغوطة الشرقية الذي يدير عدة مستشفيات ميدانية, وكذلك سرية الشهيد الدكتور علي المحاميد الطبية الناشطة في حوران .
وتم إنشاء الاتحاد الطبي الحر بإعلان مجموعة من الأطباء و الصيادلة مدينة حلب و ريفها  بتاريخ 12 تشرين الاول - 2012 تشكيل "الاتحاد الطبي الحر"، و ذلك في ظل ظروف صعبة تمر بها المدينة لنقص الخدمات الطبية، بعد أن هجرها معظم أطبائها قصد العمل.
وإنه ليتسع لنا أن نذكر الدور المهم الذي قام به الأطباء السوريون المغتربون
فلعب العديد منهم دوراً داعماً ومساعداً إبان الثورة السورية تجلى :
بالعمل التطوعي سواء بدوام كامل أو خلال فترة الإجازات في المخيمات والمشافي على الحدود, وقد تشكلت شبكات لهم عبر العالم لتنظيم ذلك.
و التبرع ماديا للثورة, أو تأمين التجهيزات الطبية والأدوية اللازمة للداخل وفي مخيمات اللجوء أيضا.
وقد تم انشاء الرابطة الطبية للمغتربين السوريين التي عنيت بشؤون عديدة على الارض السورية وفي المخيمات .
و قد طالت الانتهاكات بحق الاطباء السوريين الاطباء المقيمين خارج الحدود السورية فقامت في تاريخ 8 -1 - 2014  قوات الأمن المصرية باقتحام إحدى العيادات الطبية في مدينة 6 اكتوبر والمسماة “مركز النخبة للأطباء السوريين”، حيث تم إغلاق المركز واعتقل الأمن الأطباء والطبيبات المتواجدين فيه.
الاطباء العسكريون المنشقون عن النظام السوري :
وعلى خلفية انشقاق الشرفاء في جيش النظام السوري .. لم يقتصر الامر على المقاتلين العسكريين فقط .. فقد شهد الجيش انشقاق العديد من الاطباء وانضمامهم للعمل في صفوف اطباء الثورة السورية خدمة للثورة السورية وأبطالها ورفضا قطعيا لما رأوه من الاعمال الاجرامية بحق الشعب السوري ومنها ما رواه لصحيفة الديلي غراف احد الاطباء العسكريين المشنقين الذي عمل بالمستشفيات العسكرية في حلب ودرعا وضواحي دمشق، وترك منصبه رئيساً لوحدة العناية المركزة بالمستشفى العسكري في حلب أخيرا عن ما يجري في العنابر السرية إذ يتعرض المرضى للتعذيب، أو يتم تركهم عمداً ليموتوا .
وذكر انه يتم وضع المعتقلين في ظروف وخيمة، وأيديهم وأرجلهم مكبلة إلى الأسرّة، وعيونهم معصوبة في عنابر من دون نوافذ، وغالباً في الطابق السفلي، وحُرموا المضادات الحيوية والمسكّنات، ، وكان الكثير منهم يعاني جروحاً ملوثة، وتُركوا ليموتوا ببطء، أو تم قتلهم على الفور بحقنة من الكالسيوم، التي تجعل ضربات القلب تتباطأ حتى يتشنج الجسم .

وعلى مدار مايقارب الثلاث سنوات  نسج العاملون في المجال الطبي من اطباء وصيادلة ومسعفين  قصة عذاب من صميم المعاناة السورية , فوفقاً لاحصائيات الثورة السورية  فإن المئات من العاملين في المجال الطبي قد قتلوا اما باستهداف مباشر او باعدامات ميدانية كما ان هناك قرابة ال3000 معتقلا ومنهم من قضى نحبه تحت التعذيب  .
علي المحاميد وهو أول طبيب شهيد في الثورة السورية بتاريخ 22 آذار 2011  الذي استشهد على خلفية اقتحام الجامع العمري في درعا اثناء محاولته اسعاف الجرحى .

الشهيد إبراهيم ناهل عثمان مؤسس تنسيقية اطباء دمشق  :
هو طبيب الثورة السورية وله قصة قد لا تختلف عن باقي السوريين الذين اختاروا الثورة ضد النظام السوري؛ لم يكد يمضي  يوم على بدء إضراب الكرامة الذي دعا إلى إعلان العصيان المدني في سوريا حتى استيقظ الشارع السوري والعربي على خبر استشهاد طبيب الثورة السورية ابراهيم عثمان أثناء محاولته الهرب الى تركيا، الشهيد من مدينة حماة وهو طبيب بشري كان في آخر سنة في اختصاص الجراحة العظمية،
الشهيد من مؤسسي تنسيقية أطباء دمشق والناطق باسمها باسم خالد الحكيم على القنوات الإعلامية".

بعض حالات الاعتقال التي طالت الاطباء السوريين :
وفي حالات كثيرة تم اعتقال أطباء بطريقة مهينة ومن أماكن عملهم , فمثلاً "اختطف الدكتور أسامة بركة من عيادته في جرمانا ليفرج عنه بتاريخ 29 تموز 2012 في حالة سيئة و يتوفى بعدها." و كذلك "تم اعتقال الدكتور معاذ الخولي من عيادته في حي القدم بتاريخ 23/11/2011 من قبل المخابرات الجوية و بعد ذلك انقطعت أخباره " وكذلك "اعتقال الدكتور بشار فرحات من مشفى الأطفال في اللاذقية" . وكذلك اعتقال ثلاثة من أطباء مشفى المواساة بدمشق في أغسطس 2012 وهم على رأس عملهم وكذلك جرى اعتقال الطبيب حيان محمود في مشفى المجتهد بدمشق في يوليو 2012 حيث داهمت عناصر الأمن المشفى وتم اعتقاله بطريقة همجية، وبعد أيام قلية ومن جراء التعذيب الشديد تم نقله إلى مشفى الهلال الأحمر وثمّ توفي هناك . وكذلك تم اختطاف الطبيب لؤي خطاب وهو على رأس عمله في مشفى تشرين العسكري بتاريخ 4-3-2012 حيث اقتادوه مكبل اليدين أمام أعين الجميع وقاموا بركله إلى داخل السيارة .

ولا بد لنا ختاما من ذكر قصة الشهيد حسين سليمان الملقب - بأبي ريان - :
الطبيب السليمان من مواليد 1985 خريج جامعة حلب ، طالب دراسات عليا في طب الأطفال، عرف عنه طيب أخلاقه والتزامه.
شارك في بداية الثورة بالمظاهرات السلمية في مدينة حلب بجامع آمنة وغيره من أماكن انطلاق المظاهرات واعتقل عدة مرات،  ثم شارك في اعتصام الأطباء في حلب وتم اعتقاله ايضاً.
 ثم شارك في بداية الثورة المسلحة فكان من مؤسسي كتيبة مصعب بن عمير التي كان تعدادها 12 مقاتل حينما حررت مدينة مسكنة وانضمت لاحقاً إلى حركة أحرار الشام الإسلامية عند تأسيسها .
كان السليمان أحد المؤسسين للمجلس المدني ومن ثم أسس المشفى الميداني مع أطباء آخرين في مسكنة.
شارك في تحرير حاجز الدبسي، و في تحرير مطار الجراح، ولعظيم جهده تم اختياره من قبل حركة أحرار الشام مديراً لمعبر تل أبيض، ثم تحمل مسؤولية تل أبيض كاملاً تنظيماً وإدارةً وعسكرةً، فكان القائد العام لحركة أحرار الشام الإسلامية في تل أبيض .
تم اعتقاله من قبل تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام ليعود شهيدا قضى نحبه تحت التعذيب في تاريخ 31 - ديسمبر - 2013 .
ولأن الأطباء هم أسباب بعد الله في إنقاذ  واستمرار حياة الثوار والمجاهدين تراهم دائما مستهدفين بآلة القتل والاجرام حقدا وارهابا وإدراكا لدورهم الفعال في استمرار وانجاح ثورتنا السورية المباركة .
( أطباء ثورتنا أيُّ كًلمٍ غائرٍ في قلب الثورة أنتم أيها الابطال )









تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مقارنة بين الجدلية المثالية والجدلية المادية عند كل من جورج هيجل وكارل ماركس

لقد حظيت فلسفة هيجل بتأثير بليغ على الفكر الحديث، وكان ممن تأثر بها إلى حد بعيد هو كارل ماركس الذي قلب له الأمور رأسا على عقب . إذ أن جدلية هيغل هي عبارة عن عملية أو ديناميكية تمضي وفقها جميع القضايا من الأمثل فالأمثل نحو “الفكرة المطلقة” وقد سميت “بالجدلية المثالية”. بينما رأى ماركس عكس ذلك وقال بصريح العبارة أن منهجه الجدلي هو “العكس المباشر” لمنهج هيغل وأن “جدلية الأفكار ليست سوى انعكاسا لجدلية المادة”. لذلك اتخذ من مفهوم الجدلية المادية، أساسا ومنبعا لحركة التاريخ وتطور الفكر.
الجدلية المثالية عند هيجل : يعتبر هيجل الفيلسوف الاهم في المدرسة المثالية الالمانية , والفلسفة المثالية تعني : ’ ان الاشياء المادية لا تبدو كما نتعرف عليها نحن بحواسنا وانها ليست بالصورة التي نستقبلها بها عن طريق حواسنا بل لها طبيعة ذاتية لا يمكن ادراكها بخبراتنا الحسية ’ " لقد كانوا ينظرون الى الجدل على انه جزء منفصل عن المنطق وهم بذلك يسيئون فهمه .. اما نحن فنضع الجدل وضعا يختلف عنهم اتم الاختلاف .. " هيجل - المنطق الكبير - ( من المقدمة ) ان المنهج الجدلي عند هيجل هو المنطق نفسه وليس مجرد صورة طبقها هي…

مقارنة الحالة الطبيعية بين وصف جان لوك ووصف جان جاك روسو

كيف وصف كل من جان لوك وجان جاك روسو الحالة الطبيعية ..؟ عند جان لوك : بدأ جان لوك وصفه للحالة الطبيعية على انها حالة الحرية الكاملة وحالة المساواة فالانسان في هذه الحالة يتمتع بحرية مطلقة في القيام بالافعال والتصرف في الممتلكات بما يحقق مصلحته دون الحاجة لموافقة احد اضافة الى ذلك انه يتمتع المساواة التامة حيث الجميع يتمتع بحقوق مماثلة وسلطات متساوية على الاشياء .. دون ان يكون هناك خضوع او سلطة لاحد على الاخر .. ( حرية مادية ).  ايضا وتشتق الحرية الطبيعية من المساواة الطبيعية وقد عبر عن هذا بقوله : ليس هناك شيء اشد وضوحا من القول بأن مخلوقات من نفس النوع والرتبة , تنعم بكل مزايا الطبيعة نفسها وتستخدم نفس الملكات , تكون ايضا متساوية فيما بينها , دون خضوع او انقياد احدها للآخر . [  الفقرة رقم 4 : من كتابه الرسالة الثانية ]
ولكن اكد على انه وبالرغم من ان حالة الطبيعة هذه هي حالة حرية فإنها ليست حالة من الاباحية وانها تمتلك قانونا يحكمها ويلزم فيه كل شخصمن خلال قوله : لكن على الرغم من ان الحالة الطبيعية هذه هي حالة الحرية فانها ليست حالة من الاباحية , فحالة الطبيعة تمتلك قانونا للطبيعة ليحكمها وي…

مقارنة بين السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا تجاه الازمة السورية ..

مقارنة بين السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا تجاه الازمة السورية
لعبت كل من امريكا وايران دورا مهما وأساسيا في الازمة السورية , تباينت فيها السياسة الخارجية لكل من البلدين , فكل من امريكا وايران تعاملتا مع الازمة السورية من منطلقين مختلفين كل بحسب مصلحته اولا وما يريد تحقيقه من خلال ازمة البلد المنكوب بالحرب والقتال , فعمدتا اللعب على أوتار النار المشتعلة في سورية باختلاف الرؤى والتطلعات والاهداف , إلا انه في نهاية المطاف توّلد عن هذا الاختلاف تقارب وود بين السيد الامريكي  والمعمم الايراني المحتج , وتبلور عن هذا الحب المفاجئ مقدارا من التعاون والتكافل السياسي ووحدة الحال , لاهداف قريبة منها وبعيدة سندرسها في هذا البحث تباعا , بداية من الاختلاف بين السياستين وصولا الى التقارب وتحليل مايبنى عليه من رؤى مستقبلية لوضع الضحية السورية في مطابخ السياسة الدولية . كيف اختلفت السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا في التعامل مع الازمة السورية .. حسب سياسة كل بلد بما لا يضر بمصالحها ويخدم اهدافها ؟
السياسة الامريكية (الاسباب والدوافع والمصالح): تواجه الولايات المتحدة أكثر من أي وقت مضى منذ انتهاء…