كيف رأى هيجل الدولة انطلاقا من فلسفته المثالية ؟

الدولة كما رأها هيجل


كيف رأى هيجل الدولة انطلاقا من فلسفته المثالية ؟


الدولة:

رأى هيجل انطلاقا من فلسفته المثالية – الدولة بأعتبارها  التمثيل الاول لظهور الرشد في التاريخ الانساني وقد رأى هيجل ان مسؤولية دفع حركة التاريخ تقع على عاتق الدولة , فروح العالم تحدد كل فترة دولة من الدول لتلعب الدور الابرز في عملية الاكتشاف الذاتي لها وهذه الدولة تصبح الهيمنة على تاريخ هذه الحقبة بينما تصبح الدول الاخرى بلا قيمة او حقوق وعملية الانتخاب هذه تتم عبر الانتصار في الحروب الحاسمة فالدولة التي تنتصر في الحرب تبرهن على انها على تجانس مع روح العالم بعكس الدول المهزومة ومن هنا عبر هيجل عن الدولة بعدة صفات مغالية في التقديس فهي الادراك الاعلى للحرية والتحقق الكامل للمنطق وهي عمل عقل أزلي و نتاج التاريخ الكلي ولا يمكن أن ينفصل العقل والتاريخ كما يرى هيجل اذ انا فض العقل لنفسه يوازي مسيرة التاريخ الكلي وان العملية التاريخية هي عقلية اساسا ولذلك لا يرى هيجل ان يؤسس دولة مثالية وانما يريد  ان يرد اعتبار الدولة الحقيقية بأن يبين انها عقلية ورد هذا الاعتبار موجه نوعين من الخصوم في مقابل موقف الوعي الاخلاقي والديني أو العقلى الذي يحاول أن يلجأ الى الحياة الباطنية ويرفض "صوت واحتدام" الحقائق السياسية الواقعية فان هيجل يبرر الحياة السياسية بما هي كذلك ان الفرد يكتسب بداخل الدولة وعن طريقها حقيقته الواقعية لأنه بداخلها وعن طريقها فقط يصل الى الكلية ولاتستطيع الدولة ان تعمل بصورة كلية الا عن طريق اصدار قوانين ولاتستطيع الاخلاق التي تسعى الى الكلية ان تصبح فعلية الا عن طريق اصدار قوانين ولاتستطيع الاخلاق التي تسعى الى الكلية ان تصبح فعلية الا عن طريق تجسدها في مؤسسات وعادات , ان العادات او الاخلاق الاجتماعية هي "حياة الدولة في الافراد" ان الفرد يجاوز انانيته البدائية التلقائية في اخلاصه للدولة لان نشاط الدولة الخاص بالتعليم هو الذي يقدم له التدريب والتعليم ويكرر هيجل وهذه النظرية في ذهنه , رد فيلسوف فيثاغوري على احد الآباء عندما سأله عن افضل طريقة لتربية ابنه تربية اخلاقية , فأجابه بقوله "اجعله مواطنا في دولة ذات قوانين صالحة .
وعلى الرغم مما قد يعتقد على اساس نصوص هيجلية معينة فان رد الاعتبار هذا للدولة يجب الا يفسر بوصفه تأليها لها .صحيح ان الدولة الى حد كبير تشكل عند هيجل "غاية نهائية" للفرد الذي يجد فيها حقيقة وجوده وواجبه ورضاه وصحيح ان الدولة تشكل التحقق الفعلي أو ظهور ماهو الهي في العالم الخارجي فأنها ليست الا غاية نهائية للفرد الى الحد الذي تكون غايتها الخاصة هي حريته ورضاه وفضلا عن ذلك فان اخلاق النفس الفردية أو الدين لها قيمة لا نهائية ومستقلة عن الدولة , ان الفرد يجاوز في الدولة مستوى افكاره ورغباته الخاصة , والشخصية , ووجوده المحض الي يسميه هيجل العقل "الروح" الذاتي , فعن طريق الدولة يتعلم الفرد أن يجعل رغباته كلية , أي يضعها في قوانين , ويعيش وفقا لها , ان الدولة حقيقة واقعية وليست مشروعا أي انها يمكن ان تعاش ويمكن تصورها وعن طريق الدولة وحدها يأخذ الفرد مكانته في العالم أي انه يتعلم بوصفه مواطنا ما هو معقول في رغباته وهذه هي مرحلة العقل "الروح" الموضوعي , بيد أن "ظهور" ماهو الهي أو "التحقق الفعلي" لما هو الهي , اعنى للمطلق , أو للعقلى , لا تكونه الدولة ولا يستنفذ عن طريقها فالدولة تقدم العقل (الروح) المطلق وتجعله ممكنا فقط انها مصدر الفن , والدين , والفلسفة التي تجاوز بمعنى ما الدولة وعندما يتحدث هيجل عن الدولة بوصفها الهية فأنه يصر فقط على أنه يجب احترامها في بيان أنها تلهم بالعقلانية , أعنى أنه على الرغم من اخطائها الظاهرية , وحدوثها فأنها على ما ينبغي أن تكون , ولذلك لابد أن يدافع هيجل عن عقلانية الدولة الواقعية ضد الرومانسيين الذين انصرفوا عن السياسة ببساطة , وضد اليوتوبيين والمصلحين كذلك الذين انصرفوا عن الدولة الواقعية (أي الموجودة في عالم الواقع ) مفضلين دولة مثالية وليست وظيفة الفلسفة أن تعلم الدولة كيف ينبغي ان تكون بل أن تعلم الناس كيف ينبغي ان تفهم الدولة , ان الفلسفة لا تستطيع أن تجاوز الحقيقة الواقعية لزمانها , وانما تستطيع فقط أن توفق بينها وبين نفسها في عقل يعرف مثل "الوردة في صليب الحاضر" ليست وظيفة الفلسفة ان تخترع , او تنتقد بل أن تبين الحقيقة الايجابية التي أخبرت بها الحقيقة الواقعية من قبل.
وهكذا يريد هيجل ان يبين العقلى فيما هو غير عقلي , انه لايريد ان يكتشف الماهية الضرورية للدواء وراء التفصيلات الممكنة فحسب , وانما يريد أيضا أن يبين أن مايظهر على أنه غير عقلي في الدولة نفسها , يعمل بصورة غير واعية نحو انتصار العقلى , وهو يريد ان يبين أن ما يظهر متناقضا , سيصبح منسجما في النهاية , وان اللعب الاعمى لانفعالات أو افعال معينة ينتهي بالضرورة بحلول النظام السياسي العادل بصورة كلية والمتطور تماما ولذلك يفضي الشر الى الخير والانفعالات الى العقل , والتناقض والصراع الى مركب السلام.

والدولة , مفهومة على انها كل منسجم ومتميز , وهي التي تجعل هذا المركب ممكنا ولكي يعبر هيجل عن العلاقة بين الكل المفصل الذي لايكون شيئا بدون اجزائه والاجزاء التي لا تكون شيئا بدون الكل , يتجه الى تشبيه الكائن الحي , وبصفة خاصة الجسم الانساني الذي لايكون لكل عضو فيه وجوده الحقيقي الصحيح الا في الوظيفة الخاصة التي يؤديها داخل الكل , وكما يتجه الى تشبيه البناء الهندسي بالكاتدرائية الغوطية , ومفارقة هذا التفصيل هي انها نتيجة لعب قوى غير واعية , وينتهي تعهد هيجل المزدوج في هذه المفارقة , ويناظرها فكرة (دهاء العقل). ان الدولة تظهر بوصفها نتيجة نهائية , وشرط مسبق فهي نتيجة فعل الافراد ولعب الانفعالات ولكن بناءها حالما يتكون يظهر بوصفه واقعة اولى وأولية بينما يفسر اصلها بوصفه واقعة تجريبية وخارجية فقط "ان الدولة نتيجة نهائية تختفى فيها الواقعة التي تجد فيها اصلها في عمل الافراد , والقول بأن هؤلاء الافراد  -سواء أكان المرء يعني بذلك جمهور الناس الذين يتعقبون مصالحهم الخاصة , او الاشخاص العظام الذين يقومون بأفعال بطولية هم ادوات بصورة غير واعية 0لحظة تجاوزهم وتناقض اهدافهم الواعية غالبا , أي ان القول بأن فعل قوى غير عاقلة تكون صرحا هندسيا يكون صورة العقل الازلي , هو التاريخ بأن تنتهي في فلسفة سياسية , وبالعكس مايسمح للفلسفة السياسية بأن تحول نفسها الى وصف لدولة نهائية ومتطورة دائما.
الدولة مفطورة على الصراع وهي بدورها مسرح وأصل الصراعات الممكنة الكثيرة ويصدق ذلك على الدولة لأنه يصدق على الانسان نفسه فالانسان لايرفع نفسه الى مستوى الانسانية في عزلة بل في معركة لحد الموت من اجل "الاعتراف" انه يوجد لنفسه , أي أنه لا يعي نفسه أو لا يعي حريته الخاصة الا بالقدر الذي يعترف به بوصفه وعيا او حرية عن طريق وعي آخر أو حرية اخرى .

المصــدر : 
-         كتاب تاريخ الفلسفة السياسية 2 -  ليو شتراوس وجوزيف كروبسي


تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مقارنة بين الجدلية المثالية والجدلية المادية عند كل من جورج هيجل وكارل ماركس

مقارنة الحالة الطبيعية بين وصف جان لوك ووصف جان جاك روسو

مقارنة بين السياسة الخارجية لكل من ايران وامريكا تجاه الازمة السورية ..